تكراراً ليس المثير هو انتصار "حماس" الكاسح في الانتخابات الفلسطينية ولو كان انتصاراً في حجم زلزال. المثير هو حجم المفاجأة التي تركها في كل الاوساط ولدى كل الجهات من دون استثناء.

المثير اكثر ان اسرائيل التي تحصي على الفلسطينيين انفاسهم لم تكن تتوقع هذه النتيجة، وان كانت تراهن عليها ضمناً للاندفاع في فرض الحل من طرف واحد. والاشد اثارة ان تعترف كوندوليزا رايس بان الادارة الاميركية فوجئت بهذه النتيجة وان تسأل: "لماذا لم يتنبأ بها أحد. آمل ان نلقي نظرة مدققة. يشير هذا الى احتمال عدم وجود قراءة كافية للنبض الفلسطيني...".

طبعاً ليس هناك قراءة غربية كافية للنبض الفلسطيني، ولا يبدو انه سيكون هناك من يريد ان يقرأ، والدليل ان السيدة كوندي استنتجت ان هناك حاجة الى مزيد من الديبلوماسيين الاميركيين في القدس والضفة الغربية، ولكأن قياس النبض في الشارع الفلسطيني يحتاج الى حفنة اضافية من الديبلوماسيين، لا الى الآذان المفتوحة والعقول المنفتحة في مطابخ السياسة الخارجية الاميركية.

لا حاجة بالتأكيد الى التذكير بان السياسة الاميركية الغبية في انحيازها المطلق الى العدو الاسرائيلي وفي دعمها الاعمى للمذبحة المفتوحة التي قادها ارييل شارون ضد الشعب الفلسطيني وعلى حساب اتفاقات التسوية التي تم تمزيقها، هي التي دفعت "حماس" الى الواجهة بهذا الشكل الذي يفاجئ الجميع، ولكأنهم في واشنطن لا يعرفون ان اليأس والقهر والتنكر لأبسط حقوق الشعب الفلسطيني، هي التي دفعت الناس الى تأييد "حماس" التي ترفع لواء النضال ضد الاحتلال والعنف في مواجهة الاسرائيليين الذين مضوا بعيداً في احتلال الارض وامتهان الحقوق وفي ذبح الشعب الفلسطيني بالحديد والنار.

كيف يمكن ان تتحدث كوندوليزا رايس عن عدم قراءة النبض الفلسطيني. وهي التي يكفي ان تكون على اطلاع على عمليات القتل والتصفية التي يتعرض لها الفلسطينيون كما يفترض (!) ويكفي ان تكون على دراية بعملية تفليس السلطة الوطنية الفلسطينية مع الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي وضعته اسرائيل في الحصار وقتلته بالسم كما يقال، ثم بالعملية المنهجية لإفشال الرئيس محمود عباس وقد رفض شارون ان ينفذ ولو خطوة واحدة في اطار الاتفاقات المعقودة برعاية أميركية وأوروبية.

كان القتل مزدهراً على خطين: قتل التسوية وقتل الشعب، فماذا تريد واشنطن وغيرها من العواصم التي صمّت آذانها عن المأساة في فلسطين؟ ان لا تكتسح حماس الانتخابات، ولم يعد هناك في الضفة الغربية وقطاع غزة ما يساوي سفك الدم الا اليأس والقهر؟!

لا ليس المثير ان تفوز "حماس" هذا الفوز الباهر، المثير هو ان كل الكلام والتعليقات التي تأتي من عواصم الرباعية الدولية، يوحي بأن ليس هناك حتى الآن من التقط درساً أو ما يشبه الدرس من هذا الزلزال، لم يستخلص احد عبرة ولم يتأمل احد في واقع!

واذا كان من المبكر استخلاص العبر في اطار السياسات الغربية المنهجية التي تملي مواقف مقفلة وسلبية جداً حيال "حماس" التي تم تصنيفها منذ زمن "حركة ارهابية"، فأن ما اثارته النتائج الانتخابية في فلسطين يفترض ان يفتح العيون والعقول، بما يؤدي الى خطاب أقرب الى المنطق وهو أمر لم يظهر شيء منه.

ليس هناك في عواصم الغرب تقريباً غير الحديث عن التغيير. الرئيس جورج بوش يلخص الأمر على هذا النحو:

"ان على حماس ان تتخلص من هذا الجزء من حزبها، هذا الجزء المسلح والعنيف، وثانياً عليهم ان يتخلصوا من هذا القسم من برنامجهم السياسي الذي يدعو الى تدمير اسرائيل (...) واذا لم يفعلوا ذلك لن نتعامل معهم. ولن يتم تقديم برامج المساعدات (...) ان القرار يعود اليهم، لكننا لن نقدم المساعدة لحكومة تريد ان تدمر حليفتنا وصديقتنا اسرائيل".

والغريب ان التغيير مطلوب من "حماس" وحدها. ولكن ماذا عن اسرائيل. أوَليس مطلوباً ان تغيّر من سياسات التوسع والعدوان والحصار والقلق والتشريد والتجويع.

ولا ندري لماذا لا يستعير الذين يطالبون حماس بالتغيير عقل خالد مشعل او محمود الزهار او اسماعيل هنية او اي فلسطيني يتشح بالاخضر، ليسألوا انفسهم:

ما معنى التغيير؟

عملياً التغيير يعني ان تخرج "حماس" من جلدها، اي ان تصير مثل حركة فتح ومثل السلطة الفلسطينية، وان تقبل بالتسوية والتخلي عن العنف.

ولكن في مقابل ماذا؟

انه سؤال جوهري. فاذا كانت السلطة الفلسطينية الملتزمة اتفاقات اوسلو وما نتج عنها. لم تتمكن من ان تحصل على اكثر من جدار الفصل والحصار على رام الله ودفن الاتفاقات، فعلى ماذا يمكن ان تحصل حماس، على مزيد من التصفيات والقتل كما تلوح اسرائيل؟!

اذا لماذا التغيير اذا كانت نتيجته واضحة في ما آلت اليه فتح في الانتخابات؟

التغيير يجب ان يحصل في اسرائيل وسياساتها، ولكي يحصل هناك يفترض ان يبدأ الآن عند اميركا والرباعية الدولية وفي سياسات هذه القوى الدولية التي عجزت عن لي ذراع شارون.

التغيير مطلوب بالحاح من اميركا تحديداً قبل اسرائيل وقبل حماس، لأن الحكومة الاسرائيلية ستذهب مباشرة الى القول:

مع حماس ليس هناك شريكاًً في التسوية ولهذا سنطبق "التسوية" من طرف واحد ووفق ما يناسب أمن الدولة الاسرائيلية!

هذا الموقف العدواني التوسعي لن يتأخر كثيراً لكنه يضع المنطقة امام نصف قرن جديد من الصراع.