من لبنان إلى مصر فالعراق تحت الاحتلال الأميركي، وأخيراً في فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي، كانت الإدارة الأميركية تبتدع في كل مرة معياراً خاصاً واستثنائياً للديموقراطية. فلا بد من أن تكون الديموقراطية في البلاد العربية متنوعة الأشكال والألوان والقوانين بحيث تجيء منسجمة تماماً وملائمة تماماً للأغراض الأميركية الإسرائيلية في هذه المرحلة الانتقالية..

في لبنان، مثلاً، لا بأس من قانون طائفي للانتخابات، طالما تناولته بالذم والتشهير، عندما اعتُمد لأول مرة، قبل خمس سنوات، مختلف القوى السياسية، لا سيما تلك التي منحها فرصاً قدرية للفوز بمقاعد ما كانت لتكون لها لو أن القانون <<وطني>> التوجه وموحّد في معاييره.

وهكذا كان حتمياً أن يستولد هذا القانون، في ظل مناخ الهياج الطائفي والمذهبي الذي كان سائداً في لحظة إجراء الانتخابات بالأمر، مجلساً نيابياً مشروخة وحدته ومعطلاً دوره التشريعي السامي بالانقسامات الطائفية والمذهبية ولو مموّهة بالشعار السياسي.

وفي مصر كان فعل الانتخابات أهم من قانونها، وهكذا شهدنا سوابق غير مألوفة في أي مكان من العالم، إذ فاز حزب محظور قانوناً!! بنسبة عالية من المقاعد، كان يمكن أن تكون أكثر بكثير لو اعتمدت المعايير الديموقراطية الحقة.

وهكذا صار النواب الفائزون بشعارات حزبهم (الإخوان المسلمين)، والذين هم أعضاء فعليون فيه، ممنوعين من الجهر بهويتهم الحزبية التي يعرفها أي فلاح أمي في بر مصر... ولعله كان بين شروط نجاحهم أن يمتنعوا عن المطالبة بالترخيص لحزب له أكثر من ثمانين نائباً في مجلس الشعب المصري! لكأن هؤلاء النواب <<إخوانيون>> في الخارج و<<مستقلون>> داخل المجلس، وبهذا تتأكد الديموقراطية في القانون كما في الممارسة العملية..

أما في العراق تحت الاحتلال الأميركي فقد أُخضع شعبه لمجازر لا تنتهي، نفذها <<متطرفون أصوليون>> أو <<إرهابيون>> أو <<منظمات طائفية متعصبة>> تحت رعاية جند المحتل، بحيث أوصلت العراقيين إلى التسليم بشيء من الفرز العنصري (أكراد وتركمان إضافة إلى العرب) وإلى التمييز المذهبي ذي المضمون العرقي (السنة العرب والشيعة مجهولي بقية الهوية كأنما الشيعة قد هبطوا للتو من القمر!!)...

وهكذا كان بديهياً، وقد أُجبر الناخبون على التوزع على أعراقهم وطوائفهم ومذاهبهم، أن يولد مجلس فدراليات طائفية وعنصرية، يسند شرعاً الخطة الأميركية لتقسيم العراق أو أقله لإرهاق العراقيين في المفاضلة بين الفتنة والاقتتال على حدود المذاهب..

... فإذا ما وصلت نعمة الديموقراطية إلى فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي وفاز الفلسطينيون في امتحانها الصعب، كان عليهم أن يختاروا بين الديموقراطية وحلم الوطن، فالديموقراطية مجردة (كما يريدها الغرب) تأخذهم إلى التسليم بالاحتلال الإسرائيلي قدراً، وبالتالي إلى اندثار فلسطين المقسّمة أوصالها بين غزة المعزولة في البعيد البعيد، والضفة المقطّعة أوصالها بمستعمرات وحوش المستوطنين المستقدمين من أربع رياح الأرض، ثم بجدار الفصل العنصري... فضلاً عن أن القدس العربية التي يواصل الاحتلال الإسرائيلي التهامها تدريجياً، ومن مختلف الجهات، تكاد تصبح <<مستوطنة عربية>> عزلاء ومعزولة وسط بحر من الإسرائيليين المدججين بأسلحة الجيش والشرطة والمخابرات والمستعمرين.

<<لكم الديموقراطية! ولكننا نحن من يعيّن السياسة والحكومة والشرطة والرئيس، ونحن من يقرّر الخطط الاقتصادية وبرامج التعليم والآيات الصالحة من القرآن الكريم!>>.

إنها ديموقراطية تنظيم الحروب الأهلية بين أبناء الشعب العربي الواحد، لحساب الاحتلال، أميركياً كان أم إسرائيلياً.. إنها ديموقراطية تلغي الأوطان فتحوّلها إلى مجرد أرض مفتوحة، وتلغي الشعوب فتجعلها رعايا للطوائف والمذاهب والأعراق، بحيث تفتقد مكوّنات وحدتها فوق أرضها الواحدة...

و<<حماس>> الآن أمام امتحان خطير... ونفترض أنها ستختار الوطن لأن الديموقراطية شهادة جدارة مؤكدة به، ولن تختار السلطة بأي ثمن، وستختار وحدة الشعب لا الحكم لحساب الاحتلال ومن داخل عباءته.

... أما العقوبات، سياسية واقتصادية، فلن ينفع معها الهرب من الأقسى إلى الأرحم، لأن من يستسلم سيدفع الفاتورة كاملة، وبشقيها.