في أي أسبوع من الأسابيع نستطيع أن نقرأ الكثير عن سياسات بوتين تجاه خصومه في الداخل، وعن نزاعه مع أوكرانيا حول الطاقة، وتعامله الحذر مع الصين، وعدم رضاه عن السياسات التي تتبعها الولايات المتحدة وأوروبا تجاه كوريا الشمالية وإيران، وانتقاده للسياسات الأميركية في كل مكان في العالم تقريباً•

حسناً ولكن ماذا عن خططه تجاه أفريقيا؟ لو قمنا بالبحث في الانترنت عن طريق محرك البحث ’’غوغل’’ مستخدمين في ذلك كلمتين هما ’’بوتين’’ و’’أفريقيا’’، فلن نحصل سوى على أربعين بنداً فقط معظمها له علاقة برسالة التهنئة الرقيقة التي أرسلها بوتين لزعماء القارة بمناسبة ’’يوم أفريقيا’’ العام الماضي• كم تغير العالم؟! أين ذهبت الأيام التي كانت موسكو تهتم فيها بأفريقيا اهتماماً خاصاً، وتتلهف على تعزيز نفوذها السياسي، ونشر إيديولوجيتها الشيوعية في أصقاعها؟ في تلك الأيام كانت الطائرات السوفييتية تقوم بنقل السلاح والذخائر للدول الصديقة في أفريقيا، وكان الخبراء السوفييت في كل مكان فيها، وكان ’’راديو موسكو’’ يعلن بفخر من حين لآخر عن وقوع انقلاب جديد ذي توجهات يسارية داخل القارة• والآن أصبح يتوافر لدينا دليل وثائقي عن حجم الطموحات السوفييتية الهائلة في القارة في تلك الأيام•

هذا الدليل مسجل بالتفصيل في المجلد الأخير من أرشيف ’’ميتروخين’’ والذي يحمل عنوان ’’كان العالم يمضي في طريقنا: الكي• جي• بي والمعركة من أجل العالم الثالث’’• وينبغي أن أشير هنا إلى أن الاستخبارات البريطانية نجحت عام 1992 في تهريب موظف أرشيف روسي يدعى ’’فاسيلي ميتروخين’’ إلى الغرب، حيث شارك بعد ذلك المؤلف ’’كريستوفر أندرو’’ أستاذ التاريخ البارز في ’’كامبردج’’ في كتابة هذا العمل الضخم•

وخلال مدة خدمته في الجهاز قام ’’ميتروخين’’ بعمل نسخ من آلاف الأوراق والتقارير السرية التي تكون القصة الكاملة للمحاولات السوفييتية على مدار ثلاثين عاماً لترسيخ النفوذ الماركسي في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، والانتصارات التكتيكية التي أحرزها الاتحاد السوفييتي والهزيمة الاستراتيجية التي مُنى بها في نهاية المطاف•

ولاشك أن تلك الوثائق تمثل نعمة من السماء للمؤرخين، أما بالنسبة لروسيا وأفريقيا، فإنها ستساعدنا على التوصل لاستنتاجين على الأقل فيما يتعلق بالأوضاع الراهنة في العالم• الأول: وهو الاستنتاج الذي سيكون سبباً في شعور كبير بالراحة لدى ’’المحافظين’’ في البيت الأبيض، ومؤداه أن متاعب أفريقيا الحالية وخصوصاً حروبها الأهلية واضطراباتها المنتشرة عبر الحدود، لا يمكن إرجاعها إلى الغرب فقط سواء الاستعمار الأوروبي، أو في فترة أحدث مؤامرات الـ’’سي•آي•إيه’’، أو مؤخراً التأثيرات المختلفة للشركات الرأسمالية المتعددة الجنسيات• فسجل ’’ميتروخين’’ يثبت لنا الآن أن الـ’’كي• جي• بي’’ قد لعبت دوراً كبيرا للغاية في صب الزيت على نيران الصراعات العرقية والحدودية في أفريقيا، وأنها قد ساعدت مرشحين سياسيين محليين مشبوهين وذوي ميول إجرامية صريحة، كما ساعدت في الوقت ذاته على تقويض كافة الحركات ذات التوجهات الديمقراطية والليبرالية في القارة السمراء•

الاستنتاج الثاني، هو أنه على الرغم من رسالة التضامن التي أرسلها بوتين بمناسبة ’’يوم أفريقيا’’، فإن القارة في الحقيقة خارج شاشة الرادار الروسية تماما الآن• وهو ما ينطبق أيضاً على كافة المناطق الأخرى التي كان يُشار إليها على نحو استعلائي بالعالم الثالث، الذي فقد معناه الآن بصعود العديد من الدول الآسيوية على مدارج التقدم•

وهناك في تلك الأوراق أيضاً ما يكشف عن طموحات ’’الكي• جي• بي’’ الضخمة في جنوب أفريقيا والكونغو• ولأن بوتين زعيم واقعي حتى النخاع، فإنه يهتم اهتماماً هائلاً بالجيران الذين يشكلون صعوبة ما، والقوى الكبرى على الساحة الدولية مثل أوكرانيا وإيران والصين واليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية• وهو في هذه الناحية مثل ’’بسمارك’’ الذي قال ذات مرة لدبلوماسي ألماني يدعو إلى ضم القارة منذ مئة عام تقريبا: ’’انظر هذه هي خريطتي لأفريقيا، لدي قوى عظمى على يساري، وقــوى عظمى على يميني، هذه هي خريطتي لأفريقيا’’ وهذا العالم من القوى العظمى الشمالية هو الذي يشكل الآن الخريطة الجيوبوليتيكية لبوتين• أما السؤال المتعلق بما إذا كانت روسيا ستقوم بتطوير اهتمام أكبر بأفريقيا خلال جيل أو جيلين، فهو موضوع آخر• أما في الوقت الراهن، فإن موسكو لديها الكثير مما يشغل وقتها وطاقتها، ومن بين ذلك على سبيل المثال مشكلاتها الداخلية، وعلاقتها الملتبسة مع القوى العظمى الواقعة إلى الشرق والغرب والجنوب منها، والتي تجبرها على تجنب التمدد الزائد خارج حدودها• وبوتين من الذكاء بحيث يدرك ذلك•

هل هذا في صالح أفريقيا؟ من الإجابات المباشرة التي يمكن الرد بها على هذا السؤال:’’نعم في صالح أفريقيا’’، فكلما قل تدخل الدول العظمى في شؤون القارة، كلما قل تطلع القوى المحلية المتحاربة إلى مصدر أجنبي يقوم بدعمها، وكلما قل بالتالي مقدار الضرر الذي يلحق بها، وكلما ازدادت بالتالي فرص التوصل إلى تسويات وتوافقات بشأن الكثير من المسائل المتنازع عليها• ومما يجب التذكير به في هذا السياق ما جاء في كتاب ’’كارول لانكستر’’ الرائع الموسوم بـ’’المساعدات إلى أفريقيا’’ (الصادر عن مطبعة جامعة شيكاغو 1999)، وهو أنه ’’لما يزيد عن نصف قرن من الزمان كان اللاعبون الكبار مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق/ روسيا الآن، والصين يميلون إلى إنقاص مساعداتهم لأفريقيا إذا لم تكن هناك مصالح سياسية أو استراتيجية أو اقتصادية يمكن كسبها، وعدم القيام بزيادة تلك المساعدات إلا إذا كانت هناك مصالح مادية تومئ إليهم بالتقدم’’• وفي هذا الصدد يلزم الإشارة إلى أن زيادة اهتمام الصين وزيادة استثماراتها ومصالحها بدول القارة من غربها وحتى السودان لا يمثل أنباء طيبة بأي حال•

والطريقة المثلى التي يمكن بها مساعدة أفريقيا على التقدم نحو الديمقراطية هي اتباع استراتيجية تسير في اتجاهين، أولهما: مطالبة المجتمعات الأفريقية بأن تقوم بكل شيء يمكنها أن تقوم به لتعزيز نفسها، من خلال تعزيز الديمقراطية وروح التسامح ورفع مكانة المرأة، واستئصال الفساد، وشن الحملات الرامية لمقاومة انتشار مرض الإيدز• وثانيهما: مطالبة الدول الميسورة في العالم -ومن موقع الالتزام الأخلاقي- باستخدام استخباراتها ومواردها الرأسمالية والمنظمات التابعة لها للعمل مع الأفارقة الذين يشاركونها أفكارها من أجل بناء قارتهم المدمرة• وهذا ليس حلماً مستحيلاً، ولكنه يتطلب التزاماً طويل الأمد من أفريقيا بدلاً من الاهتمام بها من حين إلى حين فقط حسب بوصلة المصالح، كما يتطلب أيضاً فهماً دقيقاً بالمواقع التي تنجح فيها التنمية وتلك التي لا تنجح فيها كما يتطلب إلى جانب ذلك استثمارات رأسمالية جادة منفقة بشكل جيد•

ومع ذلك، وبصرف النظر عن الطريقة التي سيستجيب بها العالم لهذه النداءات لمساعدة الدول الأكثر فقراً في العالم، فإنه يمكننا أن نفترض أن ’’روسيا بوتين’’ لن تلعب دوراً ذا شأن في ذلك لأن شهيتها للتدخل في أفريقيا ضعفت منذ زمن طويل كما أن وكالاتها الرسمية بما فيها تلك الوكالات العديدة التي خلفت الـ’’كي• جي• بي’’، مشغولة حتى النخاع بأمور أخرى•