لا يمكن للمصلحة السورية أن تقف عن التقاطعات التي تحملها اليوم التحليلات السياسية، فالأزمة اليوم تخرج عن إطار "نظام سياسي" لتدخل في صلب مفهوم "التجربة التاريخية" للقوى السياسية اليوم، على الأخص أن التجاذب السياسي لا يزال في إطار "الحالة الافتراضية"، لأننا نتحدث عن معارضة غير قادرة على تملك شارعها السياسي، إن وجد، وعن مزج للمفاهيم المتعلقة بالدولة والسلطة السياسية والمجتمع السياسي ضمن مصطلح واحد هو "النظام السياسي". وبالطبع فإن استخدام المعارضة لمصطلح "النظام السياسي" ليس أمرا عاديا، لأن المقصود هنا "حزمة" من المفاهيم الموجودة في الذاكرة تؤدي بشكل أو بآخر إلى تصور عن شكل سياسي غير قادر على التعامل مع طروحاتها. فالمعارضة السورية، وبالأخص عبر إعلان دمشق، قدمت موقعها السياسي الخاص ليس كبديل عن "السلطة السياسية" بل أيضا كأداة تغير لباقي مفردات النظام السياسي. وحتى عند حديث المعارضة السورية عن "التحول الديمقراطي" فإنها تحاول تشكيل مفرداتها المستقلة والخارجة عن "مزيج تجربتها السياسية"، وتحول خطابها السياسي باتجاه جديد يمتاز بالدرجة الأولى بافتراقه عن خطاب "النظام السياسي".

في المقابل فإن ما يمكن الحديث عنه حول الخطاب السياسي السوري، وعلى الأخص ما قدمه الرئيس السوري منذ خطاب القسم يشكل زاوية اخرى تريد رسم التعبير السياسي للدولة على ضوء معطيات جديدة. فالدولة عموما تعرف أن الأزمة هي في صياغة هذا التعبير رغم الظروف السياسية الإقليمية. فهناك حديث دائم عن "قانون احزاب" أو صيغ جديدة للجبهة، أو حتى مفهوم قانون الطوارئ الذي تعتبره الدولة "مُعطلا" في اللحظة الراهنة. لكن المهم أن الخطاب الرسمي يقدم مؤشرات على الأقل حول خطاب المعارضة، وهو يعرف تماما أنها في اللحظة الراهنة غير قادرة على رسم تيارها بشكل واضح رغم قدرتها الإعلامية وطاقتها في تقديم التحليلات السياسية.

هناك بالفعل أزمة تعبير ... وهناك تموضع خاص لخطاب المعارضة ... وفي هذه الصورة فإن المصلحة السورية هي الخاسر الأكبر في عمليات الاحتكار سواء للمجتمع أو للثقافة الاجتماعية. وربما يأتي مصطلح التيار الثالث ليس في وسط المشهد السياسية، بل في عمق الأزمة لأن عليه التعبير عن ضرورة التحول دون تناقض مستند إلى التجربة السياسية للطرفين. فالمسألة ليست ظهور حزب على ساحة غائمة، بل هو بالدرجة الأولى ابتداع حل لأزمة مجتمع مبتعد عن "النخب السياسية"، فمسألة "التيار الثالث" ربما تحمل أشكالا تقنية لكنها في النهاية محاولات جادة للبحث عن حلول ونماذج قادرة على تطوير نفسها من أجل المستقبل.