هآرتس إيلي فوده (رئيس قسم الدراسات الاسلامية والشرق الأوسط في الجامعة العبرية)

إن حملة التخويف التي تشن في وسائل الاعلام الاسرائيلية والتي تحذر من مغبة الانعكاسات الفظيعة لإقامة دولة "حماستان" في المناطق الفلسطينية ومن زعمائها الأشرار تلامس حالة الهلع. صحيح أنه لا يتعين الاستخفاف بالوضع الذي نشأ، بيد أن التحليل الواعي للسيناريوهات المحتملة من شأنه الاشارة الى أنه يكمن في صعود حماس بذور ممكنة للتغيير الايجابي على المدى الطويل. التغيير الأول يتطرق الى العملية الديموقراطية التي تحدث في السلطة الفلسطينية. فأنصار الايديولوجية الاسلامية سيضطرون للعمل من داخل إطار قواعد اللعبة التي تحدد فترة زمنية محددة لسلطتهم. وبكلمات أخرى، سيضطر رجال حماس للعمل بسرعة قبل جولة الانتخابات القادمة من أجل إقناع الجمهور الفلسطيني بأن اختياره لهم كان صائباً. في هذا الوضع، فإن تبني خط سياسي متشدد يقود الى حصار اسرائيلي على المناطق الفلسطينية وتدهور الوضع الاقتصادي، قد يلحق الضرر بالحكم الفلسطيني الجديد وبنضاله لكسب الرأي العام. ثمة موضوع ثان يتعلق بسلم الأولويات لدى حماس: نظراً لكون حماس استلمت مقاليد السلطة انطلاقاً من هدف يتمثل أيضاً في محاربة الفقر والفساد لدى السلطة السابقة، ستضطر الحركة لأن تأخذ في عين الاعتبار موقف اسرائيل والغرب الذين يسمحون بتدفق الأموال الى السلطة عبر طرق مختلفة. وعلى الرغم من أن قادة حماس سيردون بشدة على الصعيد الكلامي إزاء التهديد بفرض عقوبات اقتصادية، إلا أنهم سيضطرون من الناحية العملية الى اتخاذ قرار حول ما إذا كانت التصريحات الحماسية "تضاهي" تفاقم الوضع الاقتصادي. الموضوع الثالث يتعلق بعلاقات حماس مع مصر والأردن، الدولتان المعنيتان باستمرار العملية السياسية. فهاتان الدولتان ستبذلان كل جهد ممكن لقمع ناشط اسلامي داخلي من شأنه تقويض أسس نظامهما. ربما يكون لحماس خلفية إيرانية وسورية (الى حد معين) لكنها لا تملك الخلفية الاقليمية الفورية التي للأردن ومصر وبالتالي لا يمكنها أن تسمح لنفسها بالدخول في مجابهة معهما. الموضوع الأخير يتعلق بمقدار شرعية الحكم الفلسطيني وتأثير ذلك على قدرته لإجراء مفاوضات مع اسرائيل. فسلطة أبو مازن وحكومة فتح كانا مريحان ظاهرياً ونسبياً بالنسبة لاسرائيل، لكن عملياً أخذت شرعيتهم الداخلية تتلاشى، الأمر الذي أدى الى تجميد مسيرة السلام وتقدم البديل الاسرائيلي الذي لا يثير الحماسة تحت اسم "فك الارتباط". والآن، فإنه ثمة إمكانية حقيقية لتوقف مسيرة السلام، لكن لن يكون في هذا الأمر تغييراً كبيراً للوضع، فصعود حماس التي تحظى بتأييد وبشرعية لسلطتها، من شأنه أن يتيح لقادتها اتخاذ القرارات الجريئة التي ستحظى بتأييد واسع. وبكلمات أخرى، فإن منطق "الليكود وحده يستطيع"، أي أن الجهة المتطرفة تحديداً يمكنها أن تقود الأمور الى تغيير كبير لأنها تستطيع أن تجر معها أجزاء أوسع من الجمهور ـ يمكن أن يكون ذي شأن أيضاً في الحالة الفلسطينية. مثل هذا التغيير لن يحصل في الوقت القريب، لكنه ممكن على المدى البعيد. مثل هذا التغيير مرتبط بقدرة حماس في الحفاظ على التضامن التنظيمي والايديولوجي. وليس مفاجئاً وصول الحركة موحدة الى الانتخابات لأن هدف التخلص من النظام الحالي وحد صفوفها. لكن من المعقول الافتراض أنه كما حصل في انقلابات كثيرة أخرى، فإن الخلافات في الرأي ستبرز قريباً في كل ما يتعلق بتبني "الطريق الصحيح" من الناحية السياسية والاقتصادية. هذه الخلافات في الرأي يمكنها أن تفضي الى إقامة جناح متشدد مقابل جناح معتدل (وهذا الوضع موجود الى حد ما حالياً داخل حماس). فثمة أصوات أكثر اعتدالاً سمعت في الفترة التي سبقت الانتخابات، لكن يتعين التريث لرؤية ما إذا كانت هذه الأفكار ستتحوّل الى تصوّر متبلور. مثل هذا التغيير الايديولوجي حصل في منظمة التحرير في التسعينات؛ وعلى الرغم من أن العقيدة الدينية لحماس تعتبر ظاهرياً أقل انفتاحاً أمام التغييرات من العقيدة العلمانية لمنظمة التحرير، إلا أن التاريخ يعلمنا أن المنظمات الدينية أيضاً اعتدلت في مواقفها إزاء الواقع. خلاصة القول ان صعود حماس يبشر فعلاً بتغيير حقيقي في العلاقات بين اسرائيل والفلسطينيين. من حيث الظاهر يبدو هذا التغيير سيئاً يبشر بحصول تفاقم للوضع وزيادة التطرّف، لكن من شأنه أيضاً أن يقود الى نتائج إيجابية على المدى الطويل.