في دراسة كتبتها الصحفية الأمريكية جويس ديفيس بعنوان "الإسلاميون والأنظمة العلمانية: هل العنف ضروري" تذهب ديفيس الى المأزق وازدواجية المعايير التي تركن اليها الإدارة الامريكية، في رؤيتها للحركات الإسلامية بعد أن أصبحت قوة لا يمكن التغاضي عنها وصوتا انتخابيا لا يمكن تجاهله.

فمن وجهة نظر ديفيس أن السياسة الأمريكية تجد نفسها أمام خيارين مع تنامي وصول الحركات الاسلامية الى الحكم نتيجة العملية الديمقراطية، إما أن تدعم التحول الديمقراطي الذي من المؤكد أن يأتي بالإسلاميين الى السلطة، أو أن تتخلى عن المبادىء الديمقراطية بدافع الخوف من الإسلام السياسي.

واقع الحال، كما في التصريحات التي أدلى بها الرئيس بوش بعد فوز حماس بثلثي المقاعد في الانتخابات الأخيرة، كذلك المسؤولون الاوروبيون، يشير الى استمرار تلك الازدواجية والدفع باتجاه المعادلات مستحيلة الحل. فالتحول الديمقراطي الذي من المؤكد أن يأتي بالإسلاميين الى السلطة، يصبح غير مرغوب فيه لأنه لا يأتي بالموالين ممن اختاروا اللحاق بالسياسة الأمريكية، فحماس التي تظهر كقوة تحرر تتناقض كليا مع آخر حالة كولونيالية في التاريخ الحديث ممثلة بالاستيطان الصهيوني في فلسطين، تصبح مرفوضة، وتكثر الحجج عليها بهدف الانقلاب على العملية الديمقراطية، وتتكاثر الملفوظات الخطابية لصناع القرار السياسي في الغرب الذي يجهلون كما يرى كثيرون الحركات الإسلامية والذين لا تزيد معرفتهم بالإسلام عن كونها خردة ايديولوجية والتعبير للمرحوم ادوارد سعيد.

فحماس كما يقول خطاب الإدارة الأمريكية هي منظمة إرهابية وهي تهدد مستقبل إسرائيل وهنا تكمن المفارقة بين الجلاد والضحية، ومن المهم الانقلاب على نتائج الانتخابات ولا بأس من التخلي عن المبادىء الديمقراطية التي تستخدم عادة لغاية في نفس يعقوب الأمريكي هذه المرة، فالديمقراطية يجب أن تفصل على مقاييس الإدارة الأمريكية التي يبشر بها في العراق عندما تأتي بالموالين لها والراكبين على ظهور دباباتها، وتصبح غير مرغوبة عندما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن الأمريكية.

المتابع لسلوك الادارة الامريكية لا يستغرب ذلك، وقد لا يستغرب ذلك الهجوم من بعض الليبراليين العرب المواليين الذين جعلوا من الليبرالية ايديولوجيتهم التي يناضلون من أجلها، فقد وصفت نتائج الانتخابات بأنها نجاح لمحور "فليسان" على حد تعبير أحدهم، والمقصود بذلك المحور الإيراني السوري الحماسي، وجاء من ينعي العملية الديمقراطية في مصر وفلسطين بحجة أنها تأتي بالرعاع الى السلطة الذين يجهلون قيمة الديمقراطية والذين سرعان ما ينقلبون عليها، وهي تهم تتردد بدون وعي وبدون معرفة بالحركة الإسلامية والتحولات الديمقراطية التي طالتها في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم.

ما يلفت النظر هو هذا التطابق بين وجهات نظر صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الليبراليين العرب من جهة، مع وجهة النظر الاسرائيلية التقليدية والمعروفة التي مفادها الحفاظ على الاستقرار القائم في الشرق الأوسط، والذي يعني الابقاء على أنظمة استبدادية فاسدة، ضعيفة أمام الغرب وقوية على مجتمعاتها، وبالتالي الحيلولة دون وصول الإسلاميين الى السلطة.

إن وصول حماس الى السلطة، يطيح عند الإدارة الأمريكية بالتمايز السائد بين الحركات الاسلامية المعتدلة وبين الحركات الاسلامية الراديكالية، فتصبح الأخيرة هي القاعدة في خطاب أمريكي ايديولوجي وخطاب سلطوي عربي وليبرالي عربي يسهل وضع جميع الإسلاميين في سلة واحدة بهدف إدانتهم وهذه ليست شيمة العقل السياسي ولا العمل الفكري، وبالتالي تبرير كل عدوان عليهم، لذلك ليس غريبا أن تكثر الشروط على حماس فور سماع نتائج الانتخابات.

تدرك الولايات المتحدة الامريكية ومن ورائها اسرائيل وكثير من الليبراليين الذين قلبوا ظهر المجن على نتائج الانتخابات، أن الانقلاب على نتائج العملية الديمقراطية التي أحسنت حماس الانتظام فيها، كذلك «الإخوان المسلمون» في مصر من قبلها، من شأنه ان يؤجج العداء للولايات المتحدة الامريكية وأن يدفع الى المزيد من تشويه صورتها التي لم تتحسن أبدا في عالمنا العربي الاسلامي، وأن السكوت على نتائج الانتخابات سيأتي بقوى سياسية جديدة تسبب لها الإرباك عاجلا ام آجلا.

من وجهة نظر بعض المحللين، أن التصور السابق الذي يحكم العقل السياسي الامريكي هو ناتج أحكام ايديولوجية مسبقة تجهل التطورات التي طالت الحركات الإسلامية التي جعلت من الديمقراطية نهجا لها والتي راحت تقطع مع النهج الراديكالي السابق الذي انتهجه الكثير من الحركات الإسلامية في العقود المنصرمة. وبالتالي فإن المطلوب من الإدارة الامريكية ليس الاعتراض على نتائج الانتخابات التي جاءت بحماس الى السلطة، لأن ذلك يفضح مراميها ويشكك بأهدافها التي تطمح من خلالها كما تزعم أن تجعل من الشرق الأوسط منارة للديمقراطية كما روّج لذلك الكثير من المحللين في أعقاب احتلال العراق، بل الانخراط في تشجيع العملية الديمقراطية، فمن مصلحة الولايات المتحدة الاميركية وانسجاما مع شعاراتها الفضفاضة ورسالتها الخالدة في الديمقراطية التي ما ملّ المحافظون الجدد من تكرارها، أن تشجع التحول الديمقراطي في العالم الاسلامي حتى وإن جاء بالاسلاميين بالسلطة، فمن شأن العملية الديمقراطية أن تنحي جانبا ردود الفعل العنيفة عند هذه الحركات وتدفعها الى الالتزام بالنهج السياسي والديمقراطي الذي تعتمده.

وفي رأيي أن الولايات المتحدة الامريكية تجد نفسها حقا أمام مفترق طرق وأمام معادلات مستحيلة الحل من جهة وسهلة الحل من جهة أخرى. فإما أن تقبل بكل ما يترتب على العملية الديمقراطية من نتائج وإما أن تنقلب عليها؟ واقع الحال يقول إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعترف بهذه النتائج وأن في أجندتها انقلابات قد لا تقود الى الاستقرار كما تظن، بل قد تؤدي الى مزيد من العنف والارهاب؟