مع استفحال الإثنيات والطوائف وسائر العصبيات، ومع تمدّدها على القارات جميعاً، تغدو محاكمة السياسة بمعايير عقلانية دليلاً على انحياز صريح الى «المركزيّة الأوروبيّة». وهو انحياز لا بد من الاعتراف به، على رغم «الصواب السياسي» وسائر الذين يفضّلون «الحريّة بلا قيود» على «أسْر» نمط ووجهة بعينهما هما النمط والوجهة المهيمنان، أي حصراً الغربيّان.

والمسألة ليست مجرد حذلقة فكريّة. ذاك أن تنوّع التجارب والأنماط، مما تحضّ عليه الرحابة الثقافيّة المتسامحة، يصطدم بمعايير موحّدة هي بمثابة عملات يتعامل بها الكون بأسره. فالنمط الغربي هو ما نتبادل بموجبه تجارياً مع العالم، وهو ما نعاود اكتشافه في كل علاقة بين دولتين، كما مع صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي. والشيء نفسه يصحّ في السياسة، من خلال واقع الدولة

الأمة، ولكنْ أيضاً من خلال المنظمات العابرة لها كالأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المتفرّعة عن وجودها. ولا يشذّ عن ذلك التبادل الثقافي، أتجسّد في منظمة اليونيسكو ونشاطها أم في الجوائز الدوليّة المنظّمة للمعايير والمراتب في حقل الثقافة. فلا ينجم، بالتالي، الا الضياع والتشتت عن العيش في نمطين متضاربين في وقت واحد.

ولئن لاحظ كثيرون، بحق، ان تدخل النمط الأقوى في النمط الأضعف ينطوي أحياناً على نفاق، وهو ما دلّت إليه مؤخراً طريقة التعامل الغربي مع نتائج الانتخابات الفلسطينية، بقي أن النمط الأضعف غدا مُطالَباً بأخذ النمط الأقوى، أي سائد العلاقات الدولية ومألوفها، في اعتباره. ذاك أن النمسويين، كذلك، حين صوّتوا لـ «حزب الحرية» الفاشي (يورغ هايدر)، غير عابئين بالعالم الخارجي، انتصب أمامهم عالم يقاضيهم ويقاصصهم، على رغم سيادتهم وديموقراطية انتخاباتهم.

وما من شك في أن المطلوب لردم الهوّة كبير وكثير. فهناك، في الاقتصاد - وهذه مسؤولية البلدان الغربيّة الأغنى - إعادة النظر في توزيع الثروة وبرامج مكافحة الفقر وتقديم المعونات للبلدان الأفقر. وبدورها فإن مسؤوليّات هذه الأخيرة عديدة ومتشعّبة، تمتدّ من الإصلاحات الدينيّة الى الضبط الديموغرافي، ومن التصرّف على أساس واقعة الدولة - الأمة الى تطوير تراكيب سياسية تستند شرعيتها على مقدمات زمنيّة، من دون الإغفال طبعاً عن حكم القانون.

وهو ما يقودنا الى التمييز، في خلفية السجال هذا، بين ميل شعبوي الى إحراز التعويض الرمزي في ما خص العلاقة بالغرب، وبين إحراز التعويض الفعلي: في الحالة الأولى، يتم رفع «العزّة» و»الكرامة» ورفض التداول بالمعايير «الغربية»، فضلاً عن شعارات من نوع «الأسود جميل» و»الشعب المجيد»، كما يقع الاختيار على زعامات تناشد هذه المشاعر وتستثيرها. أما في الحالة الثانية فتتم، على ما حصل في اليابان، «معانقة الهزيمة» والتعلّم من أسبابها، بهدف التخلص منها عن جدارة مادية قليلة الانتفاخ بالألفاظ المنتفخة.

وقد يدوم الى ما لا نهاية هذا التخبّط بين وهم انتصاري يسري لساعات، قبل أن تتلوه هزيمة تعيش آثارها فينا لسنوات، وربما لعقود، وبين جردة صارمة لحساب سلوك ووعي سياسيين – جردةٍ لا يمكن، في نتيجتها، الا إسقاط هذين السلوك والوعي نفسيهما والبحث عن بدائل لا تتوفّر الا في نموذج «المركزية الأوروبية».