صبحي غندور

ما يراه العالم اليوم من علامات الغضب والاستهجان على وجه الموقف الأميركي بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة، هو ملاحظة صحيحة لهذا الموقف. لكن الموقف الأميركي له وجه آخر بحاجة أيضاً إلى الرّصد والمتابعة الدّقيقة.

فالتحليلات الأوّليّة للموقف الأميركي مباشرة بعد إعلان فوز حركة حماس، كانت كلّها تنظر بشيء من الشماتة إلى الإدارة الأميركية الّتي كانت تضغط باتجاه انتخابات فلسطينيّة ديمقراطيّة، فإذا بالنتائج تأتي لصالح جهة تعاديها واشنطن وتضعها في خانة المنظّمات الإرهابيّة.

لكن هل كان فوز حركة حماس مفاجأة غير محسوبة أميركيّاً أبداً؟ أعتقد أنَّ واشنطن كانت تتوقّع أن تفوز حركة "حماس"، بل أقول أكثر: إنَّ واشنطن كانت تريد أن يحدث ذلك، ولنتذكّر هنا جملة من الوقائع: إصرار واشنطن على إجراء الانتخابات الفلسطينيّة في موعدها رغم أنَّ الانتخابات البلديّة في الضفّة وغزّة قد أسفرت عن فوز حركة حماس بغالبيّة ملحوظة، ثمّ رفض الإدارة الأميركية لطلب محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعيّة حتّى لمدّة 6 أشهر لمعالجة البيت "السلطوي" الداخلي وكذلك الصراعات الّتي ظهرت داخل حركة فتح، ثمّ الضغط الأميركي على إسرائيل لعدم منع حركة حماس من المشاركة في العمليات الانتخابيّة، وأيضاً الضغط على إسرائيل للسماح للفلسطينيين في القدس بالمشاركة في التصويت والترشيح.

فماذا كان وراء الحماس الأميركي لانتخابات قد تفوز بها حركة حماس؟ هي مجموعة من الأسباب أعرضها بغض النظر عن أولويّاتها: فلقد أدركت واشنطن أنَّ قيادة السلطة الفلسطينيّة أصبحت عاجزة عن معالجة الصراعات في داخلها وفي داخل تنظيمها السياسي (فتح) إضافةً إلى عدم قدرتها الأمنيّة على ضبط الجماعات العسكريّة التابعة لها أو لحركة فتح، فكيف ستقدر السلطة بواقعها الرّاهن على ضبط الجماعات الفلسطينيّة المسلّحة المعارضة لها، وأبرزها حركة حماس، وكيف ستفرض نفسها كسلطة أمنيّة وحيدة تمنع السلاح "غير الرّسمي" وتوقف العمليّات العسكريّة ضدّ إسرائيل؟

لو كانت واشنطن تخشى فوز "حركة حماس" وتعمل من أجل استمرار سلطة "حركة فتح"، فلماذا ضغطت من أجل إجراء الانتخابات في موعدها، وفي حال معاكس لرغبة السلطة، وفي ظلّ الصراعات الداخليّة فيها وبحركة فتح؟

لقد أعطت الإدارة الأميركية فترة سنة تقريباً لقيادة السلطة الفلسطينية لترتيب أوضاعها الداخليّة ولفرض هيمنتها الأمنيّة ومنع أي سلاح غير سلاحها في الأراضي الخاضعة لسلطتها، حتّى لو تطلّب ذلك الصدام العسكري مع القوى الأخرى. وكانت واشنطن (وكذلك إسرائيل) تضغط على السلطة لتنفيذ ما كانت تعتبره قيادة السلطة دعوة لحرب أهليّة فلسطينيّة تحت حجّة ضبط السلاح الفلسطيني، وما هو غير ممكن على أرض الواقع بحكم ضعف أدوات السلطة الأمنيّة، وقوّة الأطراف المسلّحة المعارضة لها.

عامل آخر ساعد في الحماس الأميركي للانتخابات الفلسطينيّة، وهو السعي إلى مزيد من التقارب الأوروبي مع الموقف الأميركي بشأن المسألة الفلسطينيّة. فأوروبا كانت عنصراً ضاغطاً على واشنطن لحل المسألة الفلسطينيّة وللقيام بدور أميركي فاعل لم تقم به إدارة بوش منذ وصولها للحكم. وفوز "حماس" بالانتخابات، وبالتالي قيادتها للسلطة الفلسطينيّة، يجعل الأوروبيين في المركب نفسه الّذي تقوده واشنطن في البحر الفلسطيني، كما هو الآن حال التوافق الأميركي الأوروبي في الموقف من إيران بعد فوز أحمدي نجاد بالرّئاسة الإيرانيّة.

وهذا الوضع الجديد بالأراضي الفلسطينيّة، فيه على المستوى الأميركي ربح بكل الأحوال لأنّ عدم تجاوب حركة حماس مع المطالب الأميركيّة والأوروبيّة الضاغطة الآن من أجل إعلان "حماس" تخلّيها عن أسلوب المقاومة المسلّحة والاعتراف بإسرائيل، سيريح واشنطن من أي تحرّك فاعل لمعالجة المسألة الفلسطينيّة، وهو أمر كانت تتجنّبه أصلاً الإدارة الحاليّة بحكم الأولويّة الّتي أعطتها للحرب على العراق منذ مطلع العام 2001 وقبل أحداث أيلول/سبتمبر. وسيجعل إسرائيل أيضاً في وضع غير ملزم بأي اتفاقيات، وهو وضع يتناسب مع رؤية التيّار المؤيّد لحزب الليكود في الإدارة الأميركية.

أيضاً، الحال الجديد في الأراضي الفلسطينيّة سيؤدّي إلى تجاوب الإدارة الأميركيّة مع دعوات في الكونغرس كانت تطالب بوقف المساعدات للفلسطينيين حتّى في ظلّ القيادة الفتحويّة للسلطة الفلسطينيّة.

أمّا في حال تجاوب حركة حماس مع المطالب الأميركيّة والأوروبيّة، وهو أمر مستبعد الآن، فإنَّ واشنطن تكسب من "حماس" ما كسبته سابقاً عام 1994 (في اتفاق أوسلو) من قيادة منظّمة التحرير الفلسطينيّة من اعتراف بإسرائيل ومن إعلان بالتخلّي عن أسلوب الكفاح المسلّح، في مقابل الاعتراف بالمنظّمة وفتح أبواب البيت الأبيض لقيادتها، ولكن دون اعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني سوى وعود بدولة غير محدّدة المكان أو الزمان أو العاصمة أو السكّان أو مقدار السيادة!

فواشنطن لن تخسر شيئاً بوجود حماس في قيادة السلطة الفلسطينيّة. فالحركة موجودة أصلاً في الأراضي الفلسطينيّة كقوّة فاعلة سياسيّاً وأمنيّاً، وربما بوجودها على رأس السلطة ستقدر على ضبط الأوضاع الأمنيّة بشكل أفضل من تجربة قيادة فتح للسلطة في السنوات الماضية، ولن تغامر "حماس" باستخدام الجيش الفلسطيني المستقبلي (الّذي تدعو حماس كل الفصائل للاشتراك به) بحرب مواجهة مع الجيش الإسرائيلي. وستكون "حماس" في السلطة أكثر قدرة على الالتزام بأي اتفاقيات أمنيّة تحصل بشكل مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل خلال الفترة القادمة.

وتأمل واشنطن أن تكرّر حركة حماس تجربة الحزب الجمهوري الأيرلندي الّذي أعلن جناحه السياسي بعد فترة طويلة من المفاوضات التخلّي عن العمل العسكري لصالح اتفاق سياسي رعته واشنطن خلال عهد الرئيس كلينتون.

لقد استمرّت المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين واشنطن وقيادة منظّمة التحرير الفلسطينيّة لفترة 6 سنوات تقريبا ً(1988 – 1994)، وانتهت بصيغة اتفاق أوسلو. وستمرّ الأوضاع الفلسطينيّة الآن بسلسلة من المتغيّرات والتطوّرات الّتي ستأخذ وقتاً لا بأس به قبل الحديث عن عمليّة السلام والتسوية النهائيّة. وهذا "الوقت الضائع" تحتاجه الإدارة الأميركيّة لترتيب أمور أخرى في المنطقة، وفق استراتيجيّة أميركيّة واحدة لا تفصل بين الأحداث الجارية على امتداد الشريط الجغرافي من غزّة إلى طهران مروراً بدمشق وبيروت وبغداد.

كما سيكون هذا "الوقت الضائع" فرصة مناسبة لإسرائيل لمواصلة بناء وتوسيع المستوطنات وترتيب "البيت الداخلي" الإسرائيلي ولتأجيج المشاعر السلبيّة بين الفلسطينيين والانسحابات أحاديّة الجانب دون أي التزام بأي اتفاق مضى.

هل يعني كل ما سبق ذكره، أنَّ ما حدث في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة هو مسألة سلبيّة؟ كلا، طبعاً، ففوز حماس هو انتصار لنهج المقاومة ضدّ الاحتلال، هو أيضاً تأكيد على رفض فصل اليد الّتي تحمل غصن الزيتون عن اليد الّتي تحمل البندقيّة ضدّ الاحتلال، هو تعبير عن رفض الشعب الفلسطيني بالأراضي المحتلّة لسياسة التهاون والفساد وصراعات مراكز القوى، هو دعوة للإصلاح السياسي والاجتماعي رغم قساوة ظروف الاحتلال وبطشه. هو أمل بمستقبل أفضل لم يتحقّق في السنوات العشر الماضية من عمر تجربة السلطة الفلسطينيّة. وهو تمسّك بالعمليّة الديمقراطيّة كوسيلة للتغيير وليس بالعنف المسلّح أو بالحرب الأهليّة بين القوى الفلسطينيّة.

لقد كانت الانتخابات الفلسطينيّة، بشهادة العالم كلّه، نزيهة وسليمة وحضاريّة. وفي ذلك شهادة للحاكمين والمعارضين، للفائزين وللخاسرين، لفتح وحماس معاً.