لم تتم زيارة رئيس المخابرات المصرية العامة عمر سليمان إلى دمشق وبيروت, كما كان مقرراً الأسبوع الماضي, والمخطط لها أن تكون من ضمن المساعي العربية لإيجاد مخرج من الأزمة الراهنة.

وفيما لم يعلن عن موعد آخر, قيل إن التأجيل كان بسبب تطور الأحداث في فلسطين بعد الفوز الكاسح الذي حققته «حماس» في الانتخابات التشريعية, ولقاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع الرئيس حسني مبارك بالتزامن مع زيارة وزيرة الخارجية الإسرائيلية للقاهرة, حيث جرى بحث نتائج الانتخابات الفلسطينية.

فهل يكون صعود «حماس» الانتخابي سبباً في تبريد ملف العلاقات السورية ­ اللبنانية؟

من قلب العاصمة السورية, أطل خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» عبر مؤتمر صحفي حضره لفيف من مراسلي وسائل الإعلام العربية والأجنبية في دمشق, دام لأكثر من ساعة ونصف, نقل وقائعه التلفزيون السوري مباشرة مغلفاً برسالة تعلن استمرار سوريا واصرارها على احتضان حركة «حماس». وقد جاء الفوز الساحق لـ«حماس» ليمنح سوريا هامشاً إضافياً للمضي في مناوراتها السياسية, وبذلك انتقلت «حماس» وباقي الفصائل الفلسطينية المقاومة من مجرد ورقة ضغط, إلى كونها أحد أركان حلف الممانعة في المنطقة, بعدما باتت «حماس» طرفاً في العملية السياسية, مما سيضطر المجتمع الدولي الى الاعتراف بها, في ضوء اكتسابها شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني عبر صناديق الاقتراع.

لم تعد «حماس» مجرد حركة مقاومة مسلحة يستخدمها الأميركيون والإسرائيليون للضغط في أكثر من اتجاه, أحدها على سوريا كي تكف عن دعمها بوصفها منظمة إرهابية. الأمر الآن بات مختلفاً, مما يعزز الموقف السوري, لأن الورقة الفلسطينية تحولت الى حليف مساند وداعم في أكثر البؤر توتراً في المنطقة, وباتت الفرص أكبر في إعادة اللعبة الى المربع الأول لمصلحة محور الممانعة, وبالتالي تغدو دمشق أكثر استرخاء واقل لهفة لأي مبادرة عربية لحل الأزمة مع لبنان, طالما أن أطرافاً لبنانية تصر على عرقلة الجهود العربية, بحجة أن تلك المبادرات معبر لعودة سوريا الى لبنان تحت صيغ جديدة. من هذا الباب, تم إفشال مساعي عمرو موسى, واعتبرت المبادرة السعودية مطالب سورية. أخيراً, بعد لقاء رئيس وزراء لبنان فؤاد السنيورة مع الرئيس المصري, تم تكليف اللواء عمر سليمان, في محاولة جديدة لإنعاش المبادرة العربية, بحمل أفكار إلى كل من دمشق وبيروت لبلورة مبادرة عربية تطرح على مؤتمر القمة العربية.

إلا أن جولة سليمان المحاطة بالسرية والكتمان تأجلت, كما أفادت مصادر صحفية, بسبب رغبة مصر في المزيد من المشاورات مع كل من السعودية, بعد اختتام جولة الملك عبد الله بن عبد العزيز الآسيوية من جهة؛ ومن جهة ثانية, مع القيادة الفلسطينية بعد فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية الأخيرة, والتهيؤ لتشكيل حكومة جديدة, خصوصا أن جزءاً مهماً من مضمون هذا التحرك يتعلق بالملف الفلسطيني في لبنان. كما نقل أن مساعي سليمان تتركز على نقاط أساسية, عدة أهمها نزع السلاح خارج المخيمات, إلا أن دمشق تصر على عدم التدخل في هذا الموضوع, باعتباره شأناً لبنانياً داخلياً, والنقطة الثانية ترسيم الحدود وهو ما وافقت عليه سوريا. وإذا استطاعت كل من سوريا ولبنان تجاوز عقدة شبعا, فإن قرار مجلس الأمن الذي صدر اخيراً والقاضي ببسط سيطرة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية ونشر قواته في الجنوب, يدفع الخلاف حول سلاح المقاومة الى الزاوية الحرجة, والى مزيد من التعقيد في المواجهة مع المجتمع الدولي. لذا يسجل صعود «حماس» مرحلياً لمصلحة خيار المقاومة في المنطقة, ما يزيد بعض المخاوف اللبنانية من تحالف المقاومة مع سوريا, ويضع مطلب تشكيل لجنة أمنية مشتركة بين البلدين موضع شك من بعض الأطرف اللبنانية, كما يشكل عدم الاستجابة لهذا الطلب مثاراً للمخاوف السورية من أن يتحول لبنان الى ساحة لتمرير المؤامرات ضد سوريا, أو للضغط عليها.

ارتأت مصر تذليل تلك العقبات واحدة تلو الأخرى, على أساس البدء بالعقدة الفلسطينية, وكلفت اللواء سليمان هذه المهمة لخبرته في التحاور مع الفلسطينيين, باعتباره مهندس الهدنة التي أعلنتها الفصائل الفلسطينية مع إسرائيل خلال الأشهر الماضية. وإذ تسعى مصر الآن الى إبلاغ الفصائل أن «امن لبنان وسيادته فوق أي اعتبار» فإن الطرف الفلسطيني ابلغ أكثر من مرة الحكومة اللبنانية, ضرورة التعاطي مع السلاح الفلسطيني ضمن رزمة قضايا سياسية وأمنية وقانونية واجتماعية مدخلها سياسي, وليس السلاح قضية أمنية معزولة عن غيرها. ومع ذلك لا تبدو المهمة المصرية سهلة, بل زادت صعوبة, بعدما طلبت اللجنة الرباعية المؤلفة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا من «حماس» أن «تنبذ العنف وتعترف بدولة إسرائيل إذا كانت ستشارك في حكومة فلسطينية» هذا بالتعاضد مع تهديد الرئيس الأميركي بعدم دعم أي حكومة فلسطينية تضم «حماس» ما لم تعترف الحركة بـ«حق إسرائيل في الوجود» كذلك اشتراط المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تلبية «حماس» الشروط الدولية من أجل استمرار المساعدات الأوروبية. من هنا يبدو أن أزمة التمويل التي قد تواجه حكومة «حماس», لن تجد منفذاً لها سوى في الدعم الإيراني, حينذاك لن تكتفي الدول العربية وفي مقدمتها المملكة السعودية بالتفرج على تنامي النفوذ الايراني في المنطقة العربية, مما يعجل بفتح سيناريو الأحداث على احتمالات أوسع.

لا تمانع سوريا في أي حل عربي, وإنما ترحب به, وإن بدت غير واثقة بنجاح هذه المبادرات, بعد فشل العديد من الوساطات العربية في جمع اللبنانيين حول طاولة حوار واحدة لتوحيد موقفهم من بعضهم أولاً, ومن سوريا ثانياً. وإذ تستمر مراهنات الأطراف اللبنانية على تجاذبات النفوذ الأجنبي في المنطقة, لن تضع دمشق بيضها كله في سلة المبادرات العربية, بل ستجرب البدائل الأخرى أيضاً, بما يقوي موقعها في لعبة التصعيد المفتوح على احتمالات عديدة, فالملف النووي الايراني بات في مجلس الأمن, وإيران تعلن تأهبها للرد على أي اعتداء عسكري على منشآتها النووية, وسوريا تصطف مع إيران في محور ممانعة يمتد من لبنان, ويمر في دمشق, ليصل الى طهران. بينما تتجه السعودية نحو آسيا لأول مرة منذ عقود طويلة في مؤشر قوي على ان العلاقات مع أميركا ليست على ما يرام, في حين تستمر مصر مع بعض الأطراف العربية بلعب دور حلقة حفظ التوازن, لئلا يتجاوز التصعيد خط الأمان