سوريا أضحت بحاجة إلى ثورة أمنية. ثورة ضد <<الأمن>>. أساسها نزع سياسية الأمن وإعادة الأمن أمنا وطنيا، ونزع عقيدية الجيش ورده جيشا وطنيا، ونزع حزبية الدولة وردها دولة وطنية. اليوم أجهزة الأمن هي مصدر نزع الأمن، لأن عقيدتها تقوم على نظرية العدو الداخلي الذي هو كل الناس ما عدا من يثبت ولاؤه. هي ثورة ضد المنظومة الأمنية بالضرورة. إذ لا يمكن ضمان أمن البلد على أرضية مفهوم للأمن يقتصر على استقرار نظام الحكم، ويعتبر حرية المواطنين خطرا محتملا. السؤال هنا: هل يمكن التحول نحو نظام أمني جديد دون مشكلات أمنية أو اضطرابات أمنية؟ ثمة جيلان من الأمنيين تعضت لديهم الغريزة الأمنية المعادية لكل أشكال الحراك الداخلي المستقل. ومن اللافت، على سبيل المثال، أنه رغم أن الأنشطة المستقلة خلال السنوات الخمس المنصرمة كانت علنية بالكامل فإن أجهزة الأمن السورية لم تكن تستطيع التعامل معها إلا بعد تحويلها إلى تقارير سرية. هذا يعني أن تكوينها ينتمي إلى زمن فات، وأنها تطالب الأخطار بأن تدور حولها بدلا من أن تدور هي حول الأخطار و<<تقتلها بحثا>> ومعرفة. في ذلك ما يشير إلى أن المركزية الأمنية باتت خطرا أمنيا. ففي زمننا هذا تحولت من مركزية الوظيفة الأمنية إلى مركزية أساليب وتقنيات أمنية لا تدرك من الأخطار إلا ما تدربت عليه في زمن التجربة المكونة الثانية للنظام السوري الحالي، أعني تجربة سحق الاستقلال الاجتماعي طوال الربع الأخير من القرن العشرين.

بعبارة أخرى، تبحث المنظومة الأمنية السورية عن المفتاح الضائع حيث يوجد الضوء وليس حيث ضاع المفتاح. وتشم الخطر حيث لم يعد ثمة خطر، وبالمقابل هي غير قادرة على إدراك واستباق الأخطار الحقيقية على الأمن الوطني. التفجيرات التي وقعت في دمشق خلال عام 2004 ضد نشطاء فلسطينيين دون أن تتمكن أجهزة الأمن من كشف أحد وراءها برهان على ما نقول. <<اكتشاف>> تنظيمات أصولية وتكفيرية برهان آخر على البحث تحت الضوء. وهو يشير أيضا إلى نزعة الجنرالات المتأصلة إلى خوض الحرب السابقة. وهذا بالطبع وجه آخر من وجوه اللاعقلانية في المنظومة الأمنية السورية، ومن ورائها في النظام السياسي. ذروة اللاعقلانية تتجسد، كما هو معروف، في أن الأمن هو مصدر الخوف والهلع الحقيقي في سوريا. ليس الأمر كذلك في بلدان العالم الأخرى. الأمن يسمى أمنا لأنه يبعد الخوف ويحمي الناس. لدينا هو خطر على الناس ومصدر رعبهم وقلقهم، والبعد عنه، وليس القرب منه، هو الذي ينجي.

إلى المفهوم الأمني والأجهزة الأمنية، تقتضي الثورة الأمنية تحولا في موقع الوظيفة الأمنية في النظام السياسي السوري. اليوم هي وظيفة مهيمنة ومتضخمة، وهذا ينزع السياسة من المجتمع ومن الدولة ذاتها. ضده، ينبغي إخضاع الأمن للسياسة في سياق إعادته أمنا وطنيا. الثورة الأمنية غير ممكنة في ظل نظام الحزب الواحد والعقيدة البعثية المفروضة قسرا كعقيدة وطنية. والتحول نحو نظام تمثيلي تنافسي وتعددي حاجة أمنية لسوريا بقدر ما هو مطلب ديموقراطي ووطني. التحول نحو نظام تمثيلي مدخل إلى عقلنة السياسة الخارجية السورية، بما يقرّب أمن سوريا الوطني من أمن السوريين. ثمة بلا شك عنصر تاريخي وثقافي في مفهوم الأمن الوطني، عنصر يجعل أمن سوريا لا يرتد إلى أمن هذا الجيل أو ذاك من أجيال السوريين، أي إلى مفهوم محض تعاقدي للأمن، لكن حذف البعد التعاقدي من مفهوم الأمن يجعل منه أداة تتصرف بها اعتباطيا أطقم الحكم. بالمقابل من شأن حذف البعد التاريخي والثقافي، كما تجنح نزعات ديموقراطوية، ان يقود إلى تحطيم الدولة والمبدأ الوطني ذاتها.

والثورة الأمنية أخيرا بعد واحد من ثورة متعددة الوجوه تنقل البلاد من الدولة الأهلية والأمنية إلى الدولة المدنية والوطنية. ومن الدولة كاحتكار للحرب الأهلية إلى الدولة كاحتكار للعنف الشرعي. ثورة تؤسس لنظام جديد للشرعية وللوحدة الوطنية وللأمن الوطني وللمصلحة الوطنية. وهي ثورة تقطع مع العروبة الامبراطورية لمصلحة عروبة دستورية متصالحة مع <<الأقطار>> القائمة، منفتحة على تعدد كل منها، ترى إلى ذاتها كمشروع لا كسقف. فلنستعر لها اسما قديما: الثورة الوطنية الديموقراطية. خاتمة جانب أساسي من الأزمة الأمنية السورية سببه ضعف بلادنا. جانب لا يقل أساسية سببه جمود النظام وفقره السياسي والفكري. الجمود هذا واحد من أسباب الضعف، وعائق أمام مواجهته أيضا. حاولت هذه المقالة طرح مقاربة نقدية لمفهوم الأمن الوطني السوري. أردنا قلب العقيدة الأمنية السائدة على أصحابها: النظام الأمني هو أكبر خطر أمني على سوريا. تطوير الفكر الأمني، بالمقابل، ضروري للدفاع عن أمن سوريا وعن الحرية في سوريا. ونعود، مرة أخرى، إلى القول إن الأمن الوطني أهم من أن يُترك للأمنيين.