رحم الله أول من قال: «قبل ما تمشي وتهزي كتفك, رقعي فردة خفك»؛ قول أصبح مثلاً شعبياً وإن كان قليل الاستخدام. لكن القائمين على إعلامنا السوري دفعوا بنا إلى نفض الغبار عنه, بعدما نقلت لنا جريدة «الثورة» خبراً عن «اجتماعات عدة انعقدت في وزارة الإعلام, درست مبادرة إنشاء صحيفة سورية دولية يومية, تطبع في نيويورك وتوزع في شرق الولايات المتحدة »!! لن نتوقف كثيراً عند وصف هذه الفكرة بـ «المبادرة», كوننا لا ندري إذا كان هناك مساعٍ أعجمية لدى وزارة الإعلام تتوسط لإنشاء صحيفة سورية دولية تُلمع «صورتنا بالخارج», أو أنه باتت أي فكرة حتى لو كانت من بنات أفكار الوزارة, تشكل مبادرة أو عملاً تطوعياً يستحق الثناء, طالما أن أحداً لا يريد أن يبادر لتدوير زوايا عجلة أعلامنا المربعة.

نترك المبادرة الى جانب جملة المبادرات العربية التي تحيط سياستنا الخارجية بعنايتها الفائقة, لنناقش هذه المبادرة من حيث الزمان والمكان­ إذا كان يحق لنا النقاش ­ بداية, لا شك في أن الفكرة بحد ذاتها مهمة جداً, بل وضرورية, وسوريا لا تحتاج الى جريدة دولية واحدة فقط, بل إلى رزمة جرائد ومحطات تلفزيونية وإذاعية, باللغة العربية واللغات الأجنبية, تتوجه للجاليات العربية في المغتربات وللرأي العام الغربي.

لكن, والسؤال موجه للقائمين على الإعلام, وتحديداً منهم, الممسكين بحنفية منح تراخيص الصحف ووسائل الإعلام, كيف يستقيم التفكير ­مجرد التفكير­ بإصدار جريدة يومية دولية تطبع في نيويورك, وتوزع في شرق الولايات المتحدة, وأنتم لا تجرؤون على منح ترخيص لصحيفة يومية سياسية مستقلة, تطبع في دمشق وتوزع داخل الأسوار السورية؟ أو حتى على الأقل, نشرة صحفية ذراً للرماد في العيون!! كيف نفكر بالوصول والتواصل مع جالياتنا في بلاد الواق الواق وغيرها, ونحن لا نعرف ماذا يحدث في الطبالة ودف الشكوك ونهر عيشة, إذا لم نقل السخنة والدرباسية أو دوير طه والضبعة... إلخ من مناطق نائية وقرى بعيدة, لا ندري إذا كانت حكومتنا سمعت بها أم لم تسمع. وطالما ظلت تلك المناطق بعيدة عن عين إعلامنا المحلي, فسوف تبقى بعيدة عن قلوب حكومتنا.

ما الجدوى التي سنجنيها من هكذا جريدة؟ وأي معلومات نريد لجاليتنا السورية والعربية أن تطلع عليها؟ الموقف السياسي الخارجي الذي يسبقنا الإعلام العربي في ترويجه في مختلف أصقاع الأرض, أم المعلومات المحلية كارتفاع الأسعار, والفساد, وكل معلومة ترفع الرأس فخاراً وافتخاراً بالإعجاز السوري الكامن وراء لغز الأجور والاستهلاك, حيث ان أحسن موظف شغيل وأمين وصالح لا يتجاوز راتبه الشهري الـ 200 دولار, ومصروفة الشهري لا يقل عن 1000$. على الأغلب, كل هذا لا يصلح لجذب القارئ المغترب, وربما احتجنا لإثارة انتباهه إلى نفحة من أخبار الجرائم والجنايات, وما تيسر من أرشيف القضاء, مع الأخذ بعين الاعتبار أن أي أخبار حقيقية صادرة عن البلد, لا بد من إخضاعها لعملية تجميل مكلفة, حتى لا يحسد المغترب نفسه على هروبه من بلاده التعيسة, وأن يفضلها. ومن المستحسن, الإبقاء عليها جميلة في خياله وأحلامه, ربما حركت فيه الحنين للاستثمار في بلده الأم, لأن «الأقربون أولى بالمعروف».

وليعذر أصحاب هذه الفكرة استغرابنا, وكذلك من كان حاضراً في الاجتماع, وبالتحديد رئيس تحرير موقع شام برس الالكترونية الزميل علي جمالو, إذ يضع يده في هكذا مشروع وهو الذي نكب بخسائر تأسيس أول أسبوعية سياسية سورية منذ ست سنوات ولم تصدر بعد, وبقي حلمه مرقماً على الشاشة الضوئية, ينتظر تيسير الفرج. فيما ذاع صيت جريدته الالكترونية دون منّة الحكومة, وبات موقعه واحداً من عشرات المواقع السورية العابرة للقارات, دون عناء اكتشاف بارود الصحافة المهاجرة. ولو سألنا الصحافي المخضرم رياض نجيب الريس عن تجربته في هذا الخصوص, كونه أول من اصدر صحيفة عربية في المهجر وهي جريدة «المنار» في لندن العام 1977, ومن ثم مجلة «الناقد» 1992 لوجدناه على كرسي الاعتراف يتلو فعل الندامة والتوبة في اليوم عشرات المرات, لما جرته عليه من خسائر مادية باهظة وخيبات قومية, جعلت وهج النجاح المهني يخبو سريعاً كالفلاش في العتمة.

أي والله, يريدون الحج والناس راجعة, الناس راجعة عن جد وليس مجازاً, فالصحافة العربية في لندن التي تضم أكبر جالية عربية في العالم, حملت بقجتها, وها هي تعود إما الى بيروت, أو الى دبي أو بغداد, لأن سوق الصحافة أولاً وأخيراً في بيئتها, وما عدا ذلك تتولاه الانترنت مشكورة. الغريب أنه بين الفينة والأخرى, نسمع أخباراً من هنا وأخرى من هناك عن خطوات تطوير الإعلام, فقيل والعهدة على الراوي, ان قانون المطبوعات يُعاد النظر فيه منذ صدور نسخته المعدلة 2001 , ولغاية الآن ما زال قيد الدراسة لتحويله من قانون للمطبوعات الى قانون للإعلام شامل كامل. إذاً, منذ خمس سنوات لا تزال عمليات إعادة النظر في مرحلة فك الأحرف الهجائية لذلك القانون الخارق. على كل حال, لا القانون تعدل ولا القانون الموجود قادر على الإحاطة بجوانب العملية الإعلامية كافة. وثمة أيضاً قنوات فضائية بقيت لا معلقة ولا مطلقة بانتظار ترخيص نظامي, لا يمكن إتمام إجراءاته لغياب قانون ناظم لعمل الفضائيات الخاصة.

أما ماذا ننتظر لسن مثل هذا القانون اللغز فالعلم عند الله, وعند من يفكرون بإقامة منطقة حرة تتيح للفضائيات المستقلة العمل ضمن الأراضي السورية دون الخضوع لقوانين البلد, لنفهم من ذلك إذا أسعفتنا السليقة أن القانون الموعود سيبقى وعداً الى أجل غير مسمى, إذ ما حاجة فضائيات المنطقة الحرة الى قوانين وأنظمة محلية؟

هكذا تُطرح الفكرة ونقيضها معاً... قانون ومنطقة حرة, فلا نتقدم ولا نتأخر, مكانك راوح. ومن هذا المكان, نطلق الخيال حتى يقتحم نيويورك, فنطبع ونوزع ونعيد تشكيل الرأي العام على مقاسنا المزكزك زكزكة, وننشر الخبر في الصحف ونصدقه, كما سبق وصدقنا قصة إنشاء مجلس أعلى للإعلام التي وردت خلال المؤتمر القطري العاشر, دون أن يناقش أحد تعارض هذه الفكرة مع وجود وزارة للإعلام, لأن الوعود والأحلام ببلاش ولا يوجد من يشتري, سوى العاملين في الإعلام من الأغرار ممن مازالوا يحلمون بممارسة مهنتهم بحرية وطلاقة, كحلم إبليس في الجنة.