منذ شهر تقريباً، والصين مالئة الدنيا وشاغلة الناس، ليس في الإعلام العربي فحسب بل أيضاً في الإعلام العالمي• ففي مؤتمر دافوس، احتل البلد المذكور، للسنة الثالثة على التوالي، حجماً من الاهتمام لم يحتلّه أي موضوع آخر• وكان العام الماضي قد انتهى على إعلان تحول الاقتصاد الصيني رابع اقتصاد في العالم، وهي المرتبة التي كان يشغلها الاقتصاد البريطاني، بعد اقتصادات الولايات المتحدة واليابان وألمانيا• كذلك استقبلت الصين الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز الذي بدأ بها جولة غير مسبوقة إلى أقطار آسيا والشرق الأقصى• وكانت الصحافة الغربية قد تناولت أيضاً ما اعتبرته تأثّر الحاكم الكوري الشمالي كيم جونغ إيل بما رآه في زيارته الأخيرة إلى بكين، حيث ’’قرر أن يباشر نهج تقليدها في الرأسمالية’’، حسب ما كتبت إحدى تلك الصحف• وبدورها، اختارت مجلة ’’تايم’’ الأميركية (30/1/2005) أن تعنون أحد مقالاتها بالتالي: ’’انسوا أميركا وأوروبا، فالصين هي اللاعب الرئيسي في الأزمة النووية الإيرانية’’• والمقال استعادة للنظرية القائلة إن حاجة الصين إلى النفط الإيراني تعزز التراكم المالي في يد طهران وتعمل، من جهة أخرى، على جعل إدانتها في مجلس الأمن مستبعدة جداً، تبعاً لعضوية الصين الدائمة في المجلس المذكور•

وكائناً ما كان الأمر، أصبح الصعود الصيني المترتب على الثورة الصناعية والاقتصادية الضخمة التي يعيشها العملاق الأصفر، إحدى أهم حقائق عصرنا، وربما صح القول إنه التطور الأشد تأثيراً في سائر الأحداث والتطورات العالمية اليوم• ففي تاريخ الثورتين الصناعيتين البريطانية والأميركية، استغرق الأمر خمسين عاماً من أجل أن يتضاعف متوسط الدخل الفردي، وهي مهمة تحققت في الصين في غضون عقد واحد• أما السبب فيكمن، ببساطة، في أن الثورتين الأوليين كانتا مدعوّتين لإنتاج تقنيّتهما شرطاً لإحداث الازدهار، فيما تستطيع الصين حالياً استيراد الكثير من التقنّيات من الدول التي سبقتها في التقدم الصناعي•

لكن القوة حين تكبر تكبر معها المسؤولية وتكبر المراقبة من الخارج، ناهيك عن التحديات في الداخل نفسه• فالصين، في نهاية هذا العام، تكون قد تكرّست عضواً في ’’منظمة التجارة العالمية’’ لاجتيازها جميع الالتزامات التي تتطلبها المرحلة التي تلي الانتساب مباشرة• والحال أن الصينيين الأكثر حذراً يرون النمو الضخم لاقتصادهم، وما تقوله الإحصاءات التجارية عنه، مصدراً للافتخار ولكن أيضاً للقلق• ذاك أن إجمالي الناتج الوطني يقدر له أن يتراجع في 2006 بسبب الإجراءات التي اتُخذت للحد من إصابة الاقتصاد الوطني بـ’’فائض السخونة’’، بحسب التسمية التي يستخدمها الاقتصاديون•

ويبقى السؤال الأول المثير للقلق، تبعاً لـ’’إيكونوميست’’ البريطانية، كيف الحفاظ على نمو يبقى متسارعاً على رغم إبطائه الاصطناعي، في ظل استمرار القبضة الشيوعية على مجتمع غدا أكثر تنوعا وحرية وتطلباً؟ وهو سؤال دائم الطرح ووثيق الاتصال بإحدى النظريات السياسية الكلاسيكية القائلة إن الليبرالية الاقتصادية تسير دوماً في موازاة الديمقراطية السياسية، والعكس بالعكس، أو أن هذا هو المبدأ على الأقل•

فهل يعقل أن تثري الصين وتنتج طبقة جديدة أكثر ازدهاراً وتعلماً وتمتعاً بالاستهلاك ومعرفة بالعالم الخارجي، وأن يستمر، في الوقت نفسه، الخضوع لحكم الحزب الواحد واستبداده؟ فالسلطة السياسية غير المنتخبة لا تزال هي التي تقرر، أكان القرار سيئاً أم جيداً، لا فرق• وهذا الانعدام للمشاركة الشعبية إنما يزيد احتمالات التعرض لمشكلات ومآزق يصعب الخروج منها• ومن أمثلة ذلك، أنه في مارس المقبل، يفترض بالبرلمان، وهو معيّن فعلياً من قبل الحزب الحاكم، أن يحدد الطموحات الوطنية في ما خص التنمية• وهو ما سوف يتمخض عنه إعلان أول خطة اقتصادية طويلة الأمد منذ وصول ’’الجيل الرابع’’ من القادة الصينيين إلى السلطة في •2002 ومعروف أن أبرز رجالات الجيل المذكور هم رئيس الجمهورية هيو جنتاو ورئيس الحكومة ون جياباو• ويتوقع المراقبون أن تؤكد الخطة هذه على النمو، إلا أنها ستقرنه بتشديد مضاعف على انتشار النمو في سائر مناطق الصين• والحال أن النمو البالغ التفاوت بين المناطق هو ما يزيد الخوف والقلق• فحتى السلطات الرسمية باتت تعترف، وهي المشهورة إما بالإخفاء أو بتزوير الأرقام والحقائق، بأن العام 2004 قد شهد أكثر من 74 ألف حالة احتجاج، ما بين إضراب وتظاهرة صغرى• فإذا ما تباطأ النمو قليلاً هذا العام، غدا من غير المستغرب توسع رقعة النشاط المحتجّ والمعترض•

أما القيّمون على النشاط المذكور فمعظمهم من أولئك الذين أدى التوسع المديني والعمراني إلى إجلائهم عن قراهم ومناطقهم وأحيائهم، فضلاً عن العاطلين عن العمل، والمتقاعدين الذين لا يتقاضون شيئاً أو يتقاضون أرقاماً أتفه من أن تذكر، ناهيك عن ضحايا الفساد في القطاعين العام والخاص• لكن هؤلاء لا يبدو، حتى الآن، أنهم يشكلون خطراً على النظام واستقراره، إلا أنهم، مع هذا، تذكير متواصل بمشكلات البلد وباحتمالات تفاقمها في حال تباطؤ النمو•

في هذا الإطار، يرى بعض المتابعين للشأن الصيني أن أحد مفاتيح الحفاظ على نمو مستقر هو إصلاح النظام المصرفي• ولسوف يشهد هذا العام، بحسب ’’الإيكونوميست’’، تسريعاً في المحاولة الصينية لمساعدة المصارف التجارية ’’الأربعة الكبرى’’ التي تملكها الدولة للصمود أمام الضغوط التي ستواجهها بعد 11 ديسمبر المقبل• فهذا هو التاريخ الذي تعهدت الصين بأنها ستفتح فيه نظامها المصرفي للمنافسة الأجنبية• هكذا يغدو في وسع المصارف الأجنبية أن تنخرط في المشاريع التي ترتبط بالعملة المحلية• وهو ما يعني نظرياً أن كتلة الاحتياط النقدي الضخمة التي تحول دون انهيار المصارف الصينية تغدو مرشحة للانتقال إلى أمكنة أخرى• ولتجنب احتمال كهذا، لابد أن تهيئ المصارف الصينية نفسها للخروج إلى العالم الأوسع والمشاركة في نشاطاته، وهنا تطرح مجدداً مسألة القدرة على إبقاء تلك المصارف تحت سيطرة الدولة ورقابتها•

في الممارسة، لا يتوقع أن يؤدي انفتاح الصناعة المصرفية الصينية إلى هبّة مفاجئة وكاسحة تؤدي إلى انتقال عملة ’’اليوان’’ من عهدة المصارف الحكومية لإيداعها في مصارف أجنبية• فالصين، استباقاً، اعتمدت إجراءات تجعل من المكلف جداً على البنوك الأجنبية إقامة شبكة لها تشتغل بالمفرّق على نطاق البلد كله• أما استمرار الثقة العامة بالنظام المصرفي المحلي فيعني أن كتلة الاحتياطي ستمضي في توجهها إلى المصارف المحلية•

والراهن أن مبادئ التجارة الحرة ومعاييرها الأمثل ستتعرض لامتحان ضخم هذا العام لأن الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي ستتصارع للتكيّف مع تعاظم التصدير الصيني، لا سيما تصدير السلع النسيجية• ثم إن طاقة الإنتاج الصينية الضخمة على الصعيد هذا، مرفقة بإجراءات الحد من ’’فائض السخونة’’، قد تفضي إلى تزايد حاد في تصدير القصدير• ولابد للتوترات التجارية التي ستتزايد أن تعمل على تظهير صورة الصين كقوة عسكرية مثيرة لمخاوف الغرب، خصوصاً في ظل استمرار النزاع حول تايوان والقلق الذي ينتاب اليابانيين من بكين•

وبالطبع ستعمل الأخيرة على طمأنة الأميركيين والغرب عموماً إلى أن صعودها لن يطرح أي تحدٍّ على الوضع القائم دولياً• فهي تريد تعميم الفكرة القائلة إنها ليست، ولن تكون، منافساً عسكرياً للولايات المتحدة• غير أن المخاوف تنتاب القيادة الصينية من تعاظم دور ’’الصقور’’ في واشنطن، هم الذين يحاولون إقناع الرئيس جورج بوش بوجود خطر صيني على المدى البعيد، إن لم يكن المتوسط• وهنا تلعب المواقف من تايوان دوراً حاسماً في بلورة طبيعة العلاقات الثنائية• لكن المرجح ألا يقدم الرئيس الصيني تنازلات مهمة لنقاده الداخليين ممن يريدون إصلاحات سياسية أسرع• ففي 2007 يعقد الحزب الشيوعي الحاكم المؤتمر الذي يعقده كل خمس سنوات، وهو سيكون المؤتمر الأول بعد تسلم ’’هو جنتاو’’ قيادته وقيادة الدولة سواء بسواء• وأغلب الظن أن الحزبيين المؤتمرين سيمضون في التشديد على قبضة الحزب وإمساكها بالمجتمع• أما الانفتاحات المتوقعة فلن تزيد عن تلك الشكلية والمظهرية التي لابد أن يستدعيها إجراء دورة الألعاب الأولمبية، عام ،2008 في الصين•

وعلى العموم، سيبقى السؤال عن مستقبل تلك التجربة العملاقة مرهوناً بالسؤال الأشمل عن القدرة على توفيق الليبرالية الاقتصادية والاستبداد السياسي•