لم يكن سهلاً على «البطون» العربية مقاطعة الأجبان الدانمركية اللذيذة, وألبانها ذات المذاق الرائع, وزبدتها الشهيّة, ومختلف أنواع مشتقّات أبقارها المرباة على المراعي الطبيعية الساحرة. لم يكن سهلاً على الزعماء العرب التحامل على علاقاتهم الدولية باعتماد «دايت» سياسي قاسٍ تجاوباً مع الانتفاضة الشعبية ضد الرسومات المهينة بحق النبي محمد.

إنه سباق مختلف, فأنظمة «أكلة الجبنة» فضّلوا التهام جبنة الشارع على جبنة الدانمرك. المعالجة تبدو «كوميدية», رغم فظاعة التراجيديا السوداء التي قدمتها صحيفة «جيلاندز بوستن» الدانمركية, والتي جارتها فيها صحف نروجية وألمانية وفرنسية وأسبانية... وللأسف أردنية. لكنّهم استضعفوها فهاجموها.

فالدانمرك ليست الولايات المتحدة التي بال جنودها على القرآن في غوانتانامو, واقتحموا مساجد العراق ومزّقوا مصاحفه.

كوبنهاغن لا جيوش لها في الخليج, وليس لديها حاملات طائرات في البحرين, ولا «خريطة طريق» في فلسطين, ولا سفارات وصاية في عدد من العواصم العربية. حتى وهي ضعيفة, جرت معاقبتها بحملات دبلوماسية خجولة. فباستثناء ليبيا التي أخذت الموقف من الدانمرك بجدية, قاطعة معها العلاقات الدبلوماسية, فإن أكثر الآخرين غضباً اكتفى باستدعاء سفيره للتشاور, وبعضهم لم يجد للتنفيس عن غضبه وشعبه, سوى استدعاء السفير الدانمركي لإبلاغه احتجاجاً شفوياً, أقرب إلى العتب... وربما إلى رفع العتب.

رسمياً, فتحت جبنة الدانمرك شهية الحكومات على لغة الاحتجاج بعد انقطاع طويل, وتبيّن أن إرضاء الناس لا يحتاج إلى أكثر من بعض المسرحيات الدبلوماسية. وشعبياً كان أكثر المقاطعين جدية هم الذين لا يملكون أساساً ثمن الجبنة والحليب. وشعبياً أيضاً, منحت الجبنة الدانمركية الشعوب العربية حرية التظاهر من دون مواجهة هراوات «مكافحة الشغب» وخراطيم المياه وقوانين الطوارئ.

لكن, ألا ترون أن معالجة قضية الرسومات الدانمركية, هي كجبنتها, خالية من الدسم؟ ألا ترون أن الرسم على صفحات الصحف, أقل خطراً وإساءة للّه ورسوله, من الرسوم الأميركية على الأرض العربية؟ لا يمكن لهذا الغضب أن يدوم, فالدول العربية لا تبالغ عادة في الدفاع عن كراماتها, ولا تسمح في اندفاع شعوبها ضد الإهانات, وهي التي تروّضهم منذ عشرات السنين على قبول الإساءة والمهانة. سيصدر ما يشبه الاعتذار الغربي, وستعتبره الحكومات العربية, بما تملكه من إعلام, وما تمون به على الإعلام «الحر والمستقلّ», كافياً لإعلان النصر في معركة الجبنة الدانمركية, التي لولاها لما ذقنا طعم أول انتصار عربي حديث.