ضيا اسكندر

توفي والد أحد الأصدقاء في منطقة نائية تبعد عن مدينتي أكثر من خمسمائة كيلومتراً. وبسبب علاقتي المتينة مع هذا الصديق فقد قررت زيارته والقيام بواجب التعزية.

عندما وصلتُ إلى مدينة صديقي وبعد قيامي بواجب العزاء, توجهتُ مساءً للتنزه في شوارع هذه المدينة. وبينما كنت أراقب المحلات على جانبي الشارع, لفت انتباهي أحد الباعة وقد فرش عدداً من الكتب والمجلات على الرصيف, وعلّق على حبل مجموعة من الصحف المحلّية, وكم كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت ثلاث نسخ من جريدة (قاسيون) معلقة إلى جانب بعضها على الحبل. اقتربت منه سائلاً:
-  أراك تبيع (قاسيون)؟ أجاب بنوعٍ من التحدّي: أي نعم أبيعها!
-  ولكنها غير مرخصة..
-  ولَو!.. إنها صحيفة وطنية وأفتخر ببيعها.
-  يعني ذلك أنك لست خائفاً؟
-  (أجاب بمزيدٍ من التحدّي) لا لست خائفاً!
-  هل تقرأها؟
-  نعم ومن الغلاف إلى الغلاف..
-  هل تعجبك زاوية (أوراق خريفية)؟
-  بالطبع إنها الزاوية التي أفتتح بها قراءتي للجريدة..
-  يا عزيزي! أنا كاتب هذه الزاوية..

حدّق بي عابساً وقد فترتْ حدّة نبرته:
-  لو سمحت أرني هويتك الشخصية لأتأكّد مما تقول.

مددتُ يدي إلى جيبي بكل ثقة واعتزاز وأنا في غاية الفرح. إلا أن خيبتي كانت كبيرة, فقد عادت يدي خالية!! وفوراً خطر ببالي سؤال كيف سأبيتُ في الفندق هذه الليلة؟!!

اعتذرت منه موضحاً بأنني نسيت بطاقتي الشخصية في البيت. ولما قرأ في وجهي الصدق من خلال ارتباكي وتغيّر سحنتي, هرع لمعانقتي وبدأ يكيل لي المديح, وقال لي يجب أن أضيّفك شيئاً ما. وبدأ يلتفت يميناً وشمالاً, وسرعان ما وقع نظره على مغلّف يستريح على كرسيّ بجانبه. فما كان منه إلا أن فتحه وأخرج منه مجموعة نشرات للجان حقوق الإنسان ولبعض التنظيمات المعارضة المحظورة وأعطاني عدداً منها, دسستها في جيبي مودّعاً واتجهت إلى الفندق.

استقبلني الموظف بابتسامة عذبة وطلب مني هويتي الشخصية..!

حكيتُ له قصة نسياني للهوية قبل سفري.. سألني: هل تحمل أية وثيقة تثبت شخصيتك؟ أجبته بالنفي. هزّ رأسه أسفاً لعدم تمكنه من استضافتي في الفندق مالم أحصل على موافقة من فرع الأمن السياسي! حاولت جاهداً إفهامه عدم ضرورة هذا الإجراء وأنه يمكنني العودة إلى مدينتي.. فسألني ممعناً في محاصرتي: كيف استطعت القدوم إلى هذه المدينة وأنت لا تحمل بطاقتك الشخصية؟ أوضحت له بأنني قدمتُ بسيارة أحد الأصدقاء الخاصة, وقد تابع سفره إلى مدينة أخرى بعد قيامه بواجب التعزية..

خفّف عني قائلاً: لمَ أنت خائف؟ إنه مجرد إجراء روتيني, تذهب إلى الأمن السياسي ويزوّدونك بإشعار (لا مانع من مبيتك لدينا) - غامزاً بابتسامة - هل حواليك أي شيء؟

أجبته: هه.. لا طبعاً. ومددتُ يدي بشكلِ لا إرادي إلى جيبي حيث النشرات المحظورة! ودّعته شاكراً لطفه وانصرفت مضطرب التفكير..

ما العمل؟ لقد تأخر الوقت في هذه المدينة النائية, وها هي لسعات البرد الصحراوية تصفعني بشدة, ولا يمكنني العودة إلى بيت صديقي المفجوع بوفاة أبيه, فالظرف غير ملائم إطلاقاً لاستضافتي.

فكرتُ مهموماً: هل أعود إلى مدينتي في هذا الليل القارس؟! أم أتمشى في الشوارع حتى الصباح؟! أم أقوم بزيارة فرع الأمن؟! وإذا زرته كيف سيكون تعاملهم معي؟! تُرى.. هل سألتقي مع ذلك المحقق البدوي الذي أذاقني الويلات وسامني سوء العذاب أثناء اعتقالي؟

ولمّا كنت أعشق المغامرة, حسمتُ قراري وتوجهتُ مباشرة إلى فرع الأمن السياسي..

في الطريق بدأتْ هواجس شتى تنقر مخيلتي: هل سيقومون بتفتيشي؟ وإذا عثروا على المنشورات التي بحوزتي, ألن يكون الاعتقال بانتظاري؟ هل سأتعرّض لمحاكمة كما هو الحال مع أحد نشطاء المعارضة الذي ضُبِطت معه نشرة (الموقف الديموقراطي) في أحد الكراجات؟

عندما وصلتُ إلى الفرع كانت دقات قلبي تهزّ صدري بعنف, وشعور بالإسهال يمزق أمعائي, حتى أنني فكّرتُ بالعودة والكفّ عن هذه المغامرة الملعونة, لكنني وبقرارٍ حازم حرقتُ جميع مراكبي ودخلتُ.

وكم كانت سعادتي كبيرة في الفرع, فقد تبدّدت تماماً كل تلك التساؤلات المؤلمة بعد استقبالهم لي بشكلٍ حسن, وعدتُ سالماً غانماً مصطحباً معي الموافقة على المبيت.

وفي طريق العودة إلى الفندق, بدأت أتساءل: هل سيأتي اليوم الذي أدخل فيه أحد الفروع الأمنية في البلاد مطمئناً وكأنني أدخل إلى بيت جدّتي لا بيت (خالتي)؟ هل سأعاصر ذلك اليوم الذي أقرأ فيه كافة صحف المعارضة بيمينها ويسارها بمنتهى اليسر والسهولة التي أقرأ فيها صحف النظام؟ القادم من الأيام كفيل بالإجابة...