د. فيصل القاسم

على الرغم من بساطتها فإن أغنية "طل الصبح ولك علوش" للمطرب السوري المكافح علي الديك أصابت عند سماعها للمرة الأولى عصباً حساساً للغاية لدى ملايين المستمعين لأنها عادت بهم إلى تلك الأيام الخوالي التي لم يشغل بالهم وقتها سوى اللقاء اليومي بالحقول الوادعة والطيور الأليفة والخضار والفاكهة اليانعة وثمار البيادر والاجتماع بالأهل والأقارب ومعرفة أخبار أهل "الضيعة": من خطب ، من تزوج، من سافر إلى المدينة أو إلى بلاد الغربة، من باع قمحاته أو حمصاته بسعر جيد، من انكسرت رجل بقرته، من توعكت صحته، من فارق الحياة، من فقد عنزة أو إحدى أغنامه، من أضاع حماره أو اشترى جهاز راديو.

لقد كانت الأفراح والأتراح ذات طابع محلي ضيق. وكان حسب أهالي قرية ما أن يسمعوا بوفاة أحد أقربائهم ومعارفهم في القرية المجاورة لا أكثر ولا أقل، فيستقلوا حافلة صغيرة ويذهبوا للتعازي أو للتهنئة إذا كان الأمر عرساً. لقد كان الحزن والتألم الإنساني وقتها محدوداً جداً لا يتجاوز رقعة منطقة أو قرية ما. لهذا كان الناس يعيشون في أمن وسلام وطمأنينة عز نظيرها. ومما كان يزيد في راحة بال السواد الأعظم من الناس في تلك الأيام أنهم لم يمتلكوا وقتها أجهزة تليفزيون أو وسائل اتصال تزيد من اطلاعهم ومعرفتهم بما يحدث في العالم. ونظراً لانعدام الكهرباء وعدم وصولها إلى مناطق شاسعة فقد كان الراديو وسيلة الاتصال الوحيدة بالعالم الخارجي.

وبما أن تكنولوجيا البث الإذاعي وفن الصحافة المسموعة في ذلك الزمان كان بدائياً جداً فلم يكن للمذياع تأثير بالغ في استثارة المستمعين أو تعكير صفو حياتهم، فقد كانت عملية تجميع الأخبار صعبة للغاية بسبب انعدام تكنولوجيا الاتصالات بحيث كانت الأخبار تذاع متأخرة جداً مما كان يفقدها حرارتها ومفعولها الآني، وبالتالي لم يكن للراديو ذلك التأثير الكبير على مشاعر ونفوس الناس. وبما أن الذي يرى غير الذي يسمع، فقد ظلوا يعيشون في طمأنينة ووداعة ولم تكن الأحداث والمآسي التي يسمعون عنها في أجهزة الترانزيستور لتثير فيهم الكثير من المرارة والألم والحزن والأسى. وهناك قاعدة إعلامية بسيطة تقول:" يمكن أن تسمع عن حادث مهول راح ضحيته أكثر من ألف شخص ولا تتأثر كثيراً لأنك لم تر الحدث بأم عينك بينما قد ينفطر قلبك ألماً وحزناً لمجرد أن تشاهد ابن جارك وقد سقط عن سطح المنزل فأصيب بكسور في يديه وساقه."

بعبارة أخرى فإن النظرية القائلة: إن الإنسان في الماضي كان أكثر سعادة ليست صحيحة بالمطلق. لقد كان الناس سعداء لأنهم لم يكن لديهم تلك الأدوات ووسائل الاتصال العولمية الحديثة التي يمكن أن تنغص عليهم عيشتهم وتجعلهم ينامون ويصحون على أخبار المآسي والفواجع. هل لو حدث "تسونامي" قبل خمسين عاماً لترك نفس الأثر في نفوس سكان المعمورة من الحزن والقلق؟ بالطبع لا. ربما لم يسمع بالخبر أحد خاصة أنه حتى الراديو البدائي لم يكن متوفراً بالنسبة للكثيرين. وهناك حكاية ظريفة تقول: إنه عندما طـُلب من سكان إحدى المناطق العربية المتخلفة في منتصف القرن الماضي للخروج لاستقبال رئيس الدولة الذي كان يزور المنطقة وقتها هتفوا باسم الرئيس السابق لأنهم لم يعلموا بوصول رئيس جديد إلى الحكم في بلدهم. ولعلنا لا نخطئ لو أعدنا صياغة ذلك البيت الشهير: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله.... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم" ليصبح "ذو الستالايت يشقى في الفضاء بعقله.... وأخو الجهالة دون العولمة ينعم." فهو بيت الشعر الأمثل الذي يلخص الفرق بين عيشة الماضي الهانئة والعيش المؤلم في عصر العولمة.

كم أصبحنا نحن لذلك المثل الشعبي البسيط:"لا مين سمع ولا مين شاف" في وقت غدونا نسمع ونشاهد فيه على الهواء مباشرة كل الكوارث والمآسي التي تهز العالم لحظة وقوعها وكأننا أصبنحا نحن والعالم جيراناً نتألم لأتراحه وفواجعه كما نتألم لسقوط ابن جارنا من على سطح قن الدجاج وكسر يده أو رض أصابع قدمه بعدما دهسها الجرار وهو يحاول وضع القش في قاطرته.

تباً لك أيتها العولمة الإعلامية، فقد حرمتينا من نعمة التقوقع والعيش الهانئ والحزن الضيق والألم المحدود والجهل المطبق بأحداث الكون. لقد كان الجهل نعمة فعلاً. آه كم اتسعت رقعة أحزاننا وآلامنا وأتراحنا وقلقنا! لقد تعولمنا حزناً وأسى وخوفاً على أنفسنا وعلى نظرائنا في الخلق رغماً عنا. ألا يكفينا أحزاننا الخاصة؟ لماذا أصبح محتوماً علينا أن نرى أعاصير "كاترينا" و "ريتا" و"أوفيليا" وفياضانات "تسونامي" تقتلع البيوت والمباني وتدمر الطبيعة عن بكرة أبيها وتحمل الأشلاء البشرية طعاماً للحيتان والأسماك في قيعان البحار والمحيطات؟ ألا يكفي أن سكان المناطق القريبة والمحيطة ذاقوا طعم فظاعتها وأهوالها؟ فلماذا تريدوننا أن نحس بطعمها على بعد ملايين الأميال؟ هل كان ينقصنا ألماً وانفطاراً للقلوب؟ هل كنا بحاجة لرؤية الرؤوس المقطوعة وجز الأعناق والأشلاء المبعثرة والإرهاب الظلامي الأعمى "عمـّال على بطـّال"؟هل كنا بحاجة لرؤية الصواريخ الأمريكية "المتعولمة" وهي تذيب الأجساد البشرية في العراق إلى ذرات متناثرة على الهواء مباشرة؟ هل كان ينقصنا رؤية الأسلحة الأمريكية الرهيبة وهي تحصد مدناً وألوفاً من الأبرياء كما لو كانوا أسراباً من الجراد؟ فحتى أعضاء مجلس النواب الأمريكي مباركي غزو العراق تألموا لتلك المناظر المهولة وطالبوا بأن يتم القصف والتدمير والترويع في بلاد الرافدين من دون أن يتم تصويره ونقله تليفزيونياً؟!!

لقد كنا نتألم ونتضور حزناً لمجرد مشاهدة دجاجة تـُذبح أو عنزة تـُسلخ أو شجرة تـُقلع أو طفل يبكي. أما الآن في عصر عولمة الألم والحزن والأسى فقد كدنا نفقد أحاسيسنا ومشاعرنا لكثرة ما شاهدناه من فواجع ولحوم بشرية متطايرة وكوارث يشيب لها الولدان. إن أعصابنا في طريقها إلى التبلد فعلاً. لا شك أننا كنا نُصاب بكم هائل من الانزعاج والتوتر والألم عندما كانت الشاشات المتعولمة تنقل لنا مباشرة مناظر القصف والتدمير والفواجع، لكن من سخرية القدر فقد بدأنا نألف الفظائع وسفك الدماء والشواء البشري بعد أن أصبحت مادة يومية لأجهزة الإعلام المتعولمة. لقد كان البعض يفقد شهيته للطعام لأيام بلياليها لمجرد أنه شاهد منظراً مزعجاً، أما الآن فترانا ندخن الشيشة وننفخ دخانها باسترخاء عجيب ونحن نشاهد بناية كبيرة انهارت فوق رؤوس أصحابها أو زلزالاً فظيعاً ضرب مدناً وقرى فمحاها عن وجه الأرض. لم تعد مناظر الدمار والخراب والبؤس الإنساني تثير فينا الكثير من الألم والأسى حتى ونحن نتناول طعامنا. وقلما تجد شخصاً يتوقف عن تناول وجبته لمجرد أنه شاهد منظراً فظيعاً على الشاشة. ربما يغير القناة لكنه على الأرجح لن يضحي بصحنه اللذيذ حزناً على ما رآه من أهوال حية ومباشرة.

لقد زادت قدرتنا على النسيان بشكل عجيب في عصر السماوات المفتوحة والنقل الحي لمآسي المعمورة. فقد غدا الكثير من الكوارث التي مرت بنا قبل أشهر مجرد ذكريات عابرة. وليس صحيحاً أبداً أن التليفزيون الحديث زاد من قدرة الشعوب على الانتفاض والتحدي والثورة. لقد فعل العكس تماماً كما لو كان مخدراً عجيباً. كثيرون زعموا أنه لو توفرت وسائل العولمة الإعلامية عام 1948 لما ضاعت فلسطين ولكان الناس ثاروا وحرروها على الفور. وهذا طبعاً هراء في هراء. لقد نقلت لنا التليفزيونات المتعولمة غزو العراق لحظة بلحظة وأظهرت لنا هول الفاجعة التي حلت بالعراقيين لكننا اكتفينا بالتعلق بالشاشة كما لو كنا نشاهد مبارة كرة قدم بين فريقيين لدودين واستمتعنا بكل ثانية ودقيقة من تلك المبارزة الدموية الجهنمية الرهيبة.

لقد غدونا كالعاملين في برادات الجثث في المستشفيات. فعندما يدخل طبيب التشريح أو عامل التبريد غرفة الجثث للمرة الأولى لا شك أنه يُصاب بشعور مرعب، لكن مع الأيام يصبح هو والجثث أصحاباً، فينام بالقرب منها قرير العين دون أن يرمش له جفن. وهكذا حالنا مع عولمة الفواجع، نرتعب ونـتأسى في البداية ليصبح الأمر روتينياً مع الوقت.

تعولموا، تتألموا، تتبلدوا!