قابلت ايران قرار مجلس حكام وكالة الطاقة الذرية بتصعيد متوقع لكنه يذهب بها باكراً الى موقع التمرد. فهي تخطو بسرعة نحو تمزيق الاتفاق المبرم بينها وبين الوكالة، سواء بوقفها عمليات التفتيش المفاجئ للمواقع النووية أو باستئناف تخصيب اليورانيوم تنفيذاً لقرار كان البرلمان الايراني اتخذه سابقاً. لكنها تطمح في الوقت نفسه الى الاستمرار في التفاوض.

«الاحالة» الى مجلس الأمن هي حتى الآن مجرد ابلاغ بأن ايران لا تتعاون مع الوكالة، وانها تخالف الاتفاقات الدولية المتعلقة بمنع انتشار الأسلحة النووية. أي انها مجرد شكوى، في انتظار تقرير المدير العام للوكالة الذي يفترض ان يشرح المخالفات الايرانية ويحدد مخاطرها. بعد ذلك سيصار الى البحث في الاجراءات المناسبة. وبسبب التصعيد الايراني قد يجد مجلس الأمن نفسه مدفوعاً الى الدخول مباشرة في معمعة العقوبات، التي لن تقابلها طهران بالصمت والقعود بل الأرجح أن ترد عليها باجراءات مضادة.

يبدو ان الحسابات السياسية تظهر لايران انه لا يزال لديها متسع من الوقت للتحدي. ولا شك أنها تعتمد على روسيا والصين لقطع الطريق على العقوبات التي لا بد أن تضايقها، لكن مثل هذا الرهان غير مضمون النتائج، وسبق لمن عوّلوا على الروس والصينيين أن حصدوا خيبات أمل باهظة الثمن. ولم يسبق لهاتين الدولتين أن ذهبتا الى حد استخدام «الفيتو» اذا لم يتعلق الأمر بمصالحهما الحيوية المباشرة. طبعاً، ليس من مصلحتهما أن تفرض عقوبات عرقل تجارتهما الكبيرة مع ايران، خصوصاً اذا انعكست على تصدير النفط الايراني. كذلك ليس في مصلحتهما «تخصيب» مشروع حرب بالغة الخطورة عند حدودهما. إلا أنهما لن تتمكنا من مناهضة الولايات المتحدة وسائر الدول الغربية اذا بدت الحرب حلاً وحيداً للأزمة.

الواقع ان نوعية التصعيد أفقدت طهران الكثير من الحجج التي قد تقنع الدول المترددة في أن تواصل دعمها للحصول على الطاقة النووية والتكنولوجيا الضرورية لها. بالعكس، ازداد الاقتناع بأن المسألة لا تقتصر على حقوق أي دولة في تطوير أبحاثها وصولاً الى تلك الطاقة، وانما تنطوي فعلاً على تطوير اسلحة نووية. وهذا متوقع من دولة مثل ايران تجاور دولاً نووية أربع هي روسيا والصين والهند وباكستان، وتعتبر نفسها مهددة ومستهدفة أميركياً، وسبق أن خسرت حرباً مع العراق بسبب مقاطعة دولية حرمتها من حيازة ردع عسكري كاف.

صحيح أن وكالة الطاقة الذرية تبنت مطلب شرق أوسط خال من أسلحة الدمار لتشجيع بعض الدول العربية ودول أخرى على تأييد نقل الملف النووي الايراني الى مجلس الأمن، إلا أن هذه اللفتة لم تزعج اسرائيل ولن تزعجها. ولم تستطع الوكالة ولن تستطيع أن تكون حيادية ونزيهة وشفافة ما لم تضع يدها على الملف النووي الاسرائيلي ليصبح كل اجراء تتخذه ضد ايران مبرراً ومفهوماً ومشروعاً. أليست ذريعة الولايات المتحدة واسرائيل أن «عدم شفافية» ايران سبب رئيسي لاستهداف نشاطها النووي؟ أقل ما يمكن أن يقال في اسرائيل النووية انها عديمة الشفافية، كما ان سجلها في الحروب والاعتداءات والاجرام الارهابي يبزّ السجل الايراني ويتجاوزه. لا شك ان إحالة اسرائيل وايران معاً الى مجلس الأمن ستكون موضع ارتياح المنطقة وشعوبها بمقدار ما ستظهر الموقفين الأميركي والأوروبي أكثر «شفافية» ايضاً.

الهدف ليس الحرب، ليس الآن، ليس بعد، كما يهمس الاميركيون، وانما التضييق على ايران للحؤول دون تطويرها اسلحة نووية. الاقتراح الروسي لم يعش طويلاً، لأنه لم يكن واقعياً، فما الذي يمكن ان تجنيه ايران من تخصيب اليورانيوم في روسيا، هل تكتفي بالتفرج عليه. أما العقوبات فتكمن خطورتها في أنها ستساهم في حد ذاتها بإشعال مواجهة حربية، إذا استشعرت ايران أنها بدأت تخسر معركتها. مشكلة «المجتمع الدولي»، أو بالأحرى مجلس الأمن، أنه يعاود دائماً تكرار الأساليب نفسها في التعامل مع مثل هذه الأزمات. ومع أنه اضطر بحكم الواقع والضرورة للتعايش مع مخالفات دولية معروفة المخاطر، إلا أنه لا يتذكر قوانينه سوى في حالات انتقائية فيصار الى تفعيلها. ايران ستتعامل مع العقوبات على أنها إعلان حرب عليها. فهل هذه إرادة الأوروبيين فعلاً؟ باعتبار أن الأميركيين والاسرائيليين يتمنونها بقوة، ولولا المأزق العراقي لكانوا شرعوا فيها اليوم قبل الغد.