تمثل حالة الغليان العالمي الراهنة حول البرنامج النووي الإيراني، تهديداً مباشراً للمصالح العربية الحيوية• ولا ريب في أن يؤدي أي تصعيد للتوتر الحالي -أو في حال وصوله إلى ما يشير إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران، سواء من قبل الولايات المتحدة الأميركية أم إسرائيل، تحت أسوأ السيناريوهات الممكنة- إلى كارثة ماحقة بأمن الخليج العربي، وباستقرار أسواق النفط الإقليمية والدولية معاً• إذن فإن ما يستتبع هذا القول، إنه للمملكة العربية السعودية وبقية شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي، مصلحة وأي مصلحة في السعي من أجل إيجاد مخرج لهذه الأزمة ونزع فتيلها والتخفيف من حدة التوترات المحتقنة بين إيران والمجتمع الدولي• وربما تكون خير بداية للتحرك الخليجي العربي في هذا الاتجاه الانخراط في حوار جاد وهادف مع طهران حول الأمن الإقليمي للمنطقة، بغية إبرام اتفاق أمني، يهدف إلى حماية المصالح الحيوية المشتركة لكلا طرفي الاتفاق• وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قد تورطت مع إيران في دوامة عداء، فإن ذلك أدعى وأكثر تأكيداً وإلحاحاً على أهمية المبادرة الخليجية العربية• ومن الوهلة الأولى، ربما يبدو إبرام اتفاق أمني كهذا بين الدول العربية وإيران، بعيداً بعد السماء عن الأرض•

ومما يفسر هذه الصعوبة والاستحالة، ميل بعض الدول الخليجية إلى صون أمنها تحت مظلة حماية أميركية، مستبعدة بذلك إمكان التوصل مع إيران إلى أي تفاهم أو اتفاق في ظل المناخ الأمني السائد حالياً• كما تفسر الاستحالة نفسها، الطموحات النووية الإيرانية، مقترنة بنبرة الخطاب الإسلاموي العدواني المتشدد للقادة الإيرانيين، مما يثير مخاوف وقلق دول الجوار العربية• وغني عن القول إن آخر ما يتمناه العرب، بروز إيران باعتبارها القوة العسكرية الضاربة في المنطقة بلا منازع• ويكفي هذه الدول شعورها المستمر بالخطر الأمني الذي يحيطها، جراء الترسانة النووية الإسرائيلية• فكيف لها أن تحتمل مضاعفة هذا القلق والتهديد، فيما لو قدر لإيران تطوير قنبلتها النووية؟

على النقيض من ذلك تماماً -وكما جاء في التعبير المصري المستمر عن المطامح العربية- فإن ما ينشده ويتطلع إليه العرب حقاً، هو أن تخلو منطقة الشرق الأوسط بأسرها من السلاح النووي، بدلاً من تهديد أمنها بالمزيد من نشر أسلحة الدمار الشامل• كما لا يروق لدول الخليج العربي أن تصعد إيران تحت سمعها وبصرها، بصفة الدولة القائدة لحركة الرأي العام الإسلامي المتشدد في خطابه ووسائله، وهي حركة من شأنها تعكير العلاقات بين العرب وأصدقائهم ومشتري منتجاتهم النفطية في الغرب• ولكل هذه الأسباب مجتمعة، تبدو آفاق التفاهم العربي الإيراني، مظلمة وبعيدة كل البعد•

لكن عند النظر إلى واقع العلاقات هذه من منظور وزاوية أخرى، فسنكتشف أن ثمة مصالح حيوية رئيسية، تربط ما بين إيران وجاراتها من دول الخليج العربي• بل ويمكن للمرء أن يمضي إلى القول، إن ما يجمع ويوحد بين هذين الطرفين من مصالح مشتركة، لهو أكثر مما يفرق بينهما من خلافات وخصومات• ولعل في مقدمة هذه القواسم المشتركة، أن لكليهما مصلحة حيوية في منع المزيد من الاحتقان والتوتر بين المسلمين الشيعة والسُنة، ليس على مستوى الخليج وحده، وإنما على امتداد منطقة الشرق الأوسط بأسرها• وفيما لو أفلتت هذه التوترات من السيطرة، فإن من شأنها أن تزعزع أمن الخليج، علاوة على إثارة موجة من العداء لإيران في أوساط النخب العربية•

ذاك أولاً، ثم يليه القول إن لإيران والدول الخليجية معاً، مصلحة مشتركة في استتباب الأمن واستقرار الأوضاع في العراق، خاصة وأنه لا يزال يكابد عمليات وضربات التمرد اليومية الموجهة ضد قوات الاحتلال الأميركي• وفي حين تحرص طهران من جانبها على تأمين دور أكبر للأغلبية الشيعية في الحكومة العراقية الجديدة، فإن الدول العربية تحرص هي الأخرى على حماية الأقلية السُنية ضد التهميش والقهر في عراق ما بعد الحرب• بقي أن نقول إن خير سبيل لتحقيق هذه الأهداف المشتركة، أن تضع الرياض وطهران كفتيهما على بعض، وأن تأتلفا وتتواضعا عليها، بدلاً من أن تختلفا وتتخاصما•

ثم إن من شأن التهديد الأمني الذي تواجهه هذه الدول الإقليمية، أن يفلت من اليد ويتحول إلى ساحة للصراع والعراك بين القوى الأجنبية، الطامحة في السيطرة على الموارد النفطية للمنطقة• ومن هنا فإن للعرب والإيرانيين مصلحة مشتركة في استحداث وإنشاء هياكل وأجهزة أمنية محلية لهم، بعيداً عن أية مزايدات أو ضغوط خارجية• بل إن في وسع توطيد العلاقات الأمنية بين دول الخليج العربي وطهران، ما يهدئ من روع الأخيرة وقلقها، بل ربما يصل بها إلى قناعة التخلي عن طموحاتها وتطلعاتها النووية• وما كنت لأقول هذا لولا علمي بالاعتقاد الشائع بأن طهران ما سعت وما تطلعت إلى السلاح النووي، لولا شعورها بأنها تعيش في بيئة معادية حولها، ووجود عسكري أميركي كثيف في تخومها وحدودها المجاورة• وغني عن القول إن طهران لهي أكثر تشبثاً اليوم بتفادي ما آل إليه مصير العراق، مهما كلفها ذلك من ثمن ومشقة• ولذلك فإن في وسع اتفاق أمني خليجي إيراني، وإنشاء أجهزة أمنية مشتركة تقوم عليه -إلى جانب تحييد المنطقة وحفظ أمنها واستقرارها- الحد من المخاوف الإيرانية، فضلاً عن أنه سيكون خير رادع عسكري أمني لأي اعتداءات محتملة عليها سواء من جانب أميركا أم إسرائيل• يلي ذلك الإقرار بحقيقة أن منطقة الشرق الأوسط، أضحت مهددة بخطر الاستقطاب الحاد بين عدة معسكرات متنافسة ومختصمة فيما بينها• فقد انضم إلى محور طهران- دمشق- ’’حزب الله’’ القائم الآن، طرف رابع هو حركة ’’حماس’’ في أعقاب الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة• والمشكلة أن هذا المحور تطوقه كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، بدعـــم مــن بعـــض الدول والقــــوى الغربيـــة، إلـــى جانب عدد من الدول العربية نفسها• لذا فـــإن من شأن التفاهــــم والاتفاق العربي الإيراني أن ينــزع فتيل هـــذه التوتـــرات الإقليمية الخطرة•

وإن كان لنا أن نختم عرضنا للمصالح الخليجية-الإيرانية المشتركة، ودواعي الاتفاق الأمني فيما بينهما، فلنا أن نقول إن لكليهما مصلحة بينة في السعي والبحث المشترك عن حلول لأكثر النزاعات والتوترات التي تزلزل المنطقة وتقض مضجعها• وفي مقدمة هذه بالطبع، الحرب الدائرة والمشتعلة في العراق، والنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، وصولاً إلى التوترات الأخيرة بين سوريا ولبنان• وليس مستبعداً أن يتعدى أي من هذه النزاعات حدوده القومية أو الوطنية، ليعصف بأمن المنطقة العربية بأسرها•

وعليه فإن من الواجب أن تكون الأزمة الدولية المحتدمة اليوم حول برنامج إيران النووي، بمثابة نداء يقظة لدول الخليج العربي• وليس لهذه الدول أن تترك الأمور الإقليمية الحاسمة وبالغة الحساسية مثل الحرب والسلام في جارة تقع على مرمى حجر منها• ويقيناً فإن لهذه الدول دوراً على قدر كبير من الأهمية تؤديه، في الوساطة ما بين طهران وخصومها ومنتقديها• ففيما وراء كل النزاعات والخلافات ما بين دول الخليج العربي وطهران، تكمن مصلحتان حيويتان توحدان بينهما: الأمن الإقليمي والموارد النفطية•