الذي لم ير الجيشا فقد قرأ عنها أو سمع. أو تمنى. وفي الصحف الآن كلام كثير عن الجيشا على أثر ظهور فيلم أميركي عن حياتها. وأنا رأيت بنات الجيشا في مهدها في مدينة كيوتو العاصمة القديمة لليابان الحديثة. ذهبت. وجلست على حصير ناعم. والجلسة غير مريحة. فليس من عاداتنا أن نفعل ذلك إلا عند الصلاة، ثم أن هذه الجلسة تحتاج إلى مرونة في الساقين والى نحافة الخصر. اما الجلسة الصعبة فهي جلسة بنات الجيشا على ركبهن. المكان هادئ نظيف. الهواء يدخل بإذن ويخرج بالأمر. وكل شيء يقف بالباب. حتى الهمس بعيد، حتى هي إذا تكلمت فعلى الرغم من قربها فصوتها يجيء من بعيد.. كأنها راديو يلتقط الأصوات من خارج المكان. اما صوتها فنحيف أو اكثر من ذلك. طه حسين يقول عن مثل هذا الصوت: انه ابيض نحيل.. اما البياض فقد وضعت على وجهها كمية كثيفة من شيء أبيض، ولا اعرف لماذا؟ لا بد انها أرادت أن تخفي لونها الأصفر الآسيوي. اما شعرها الأسود الفاحم الطويل فقد شدته إلى الخلف بصورة لا اعرف كيف أصفها. وأما فستانها أو الكيمونو الضيق جدا والذي يجعل حركتها صعبة وخطواتها قصيرة، ويخفي الاعوجاج في ساقيها. وساقاها معوجتان. لأن الطفل تحمله الأم فوق ظهرها وقد انفرجت ساقاه والتفتا حول خصر الام سنوات.. فاعوجتا. فجاء الكيمونو الضيق يخفي هذا العيب؟

ولكن بعد الاحتلال الأميركي واشتغال المرأة الام، فلم يعد طفلها حول خصرها واستقامت السيقان، وتعلمت بنات اليابان ارتداء الفساتين القصيرة لكي يكشفن عن جمال الساقين كما اجرين عمليات جراحية لكي يختفي انحراف العين أيضا.. وقد أدى تناول اللحوم إلى إطالة قامة البنات والبنين وتحول اللون من الأصفر إلى الأبيض.. وفي اليابان كثيرات وكثيرون لونهم ابيض واحمر كأي أوروبي!

جلست وشربت الشاي الأخضر ولم افهم.. ولا حاولت أن افهم. ماذا تقول الجيشا. انها قد وضعت كتكوتا في حلقها. والكتكوت في حاجة إلى دجاجة لكي تفهم ماذا تعني هذه الصوصوة. وكما جاءت ذهبت. وانتهى العرض.. ولا رأيت أحضانا ولا قبلات ولا غمزا ولا تلميحا. ولما شكوت قيل: لأنك لا تعرف اليابانية. وسألت الذين يعرفون اليابانية. فكان سؤالي باعثا على الضحك.

ولكني لا رأيت ولا سمعت ولا لمست، والسبب إنني ما حاولت. ولكي أحاول لا بد من ان اعرف اليابانية.. فهل هي تساوي كل هذا العناء. لا تساوي!