تابعت، وقرأت في الآونة الأخيرة الكثير من التصريحات الإعلامية لبعض المسؤولين العرب، يلمحون إلى المشاركة والموافقة على إرسال قوات عربية إلى العراق وذلك تحت شعار حفظ الأمن، وكنت، وفي الوقت عينه، قد سمعت تصريحات مماثلة صادرة عن بعض الدوائر الغربية.

وعن مثيلاتها في الإدارة الأميركية، تصب في الإطار نفسه، أي تشكيل قوات عربية لتكون بديلاً لقوات التحالف وللقوات الأميركية في العراق.

هذه التصريحات المتواترة، غرباً، وشرقاً، استوقفتني بجدية كاملة، لأنها تهدف إلى المساس بعدد من الثوابت والمسلمات السيادية والقومية، لأسباب عديدة قد لا تكون فقط محصورة، أو محددة بالوقائع والمرتكزات التالية:

أولاً: إن إرسال قوات عربية إلى العراق وتحت أي مسمى كان مرفوضاً لأن شعبنا في العراق حر أبي ولن يقبل بغير أبنائه لتسلم زمام أموره.

ثانياً: على الغرب ان يعي، ان المشكلة في العراق، وسأكون أكثر دقة لأقول ان المشكلة مع العراق، ليست قضية أمنية، وبالتالي فإن الحل المطلوب ليس حلاً أمنياً أو زجرياً، أو ردعياً.

فقضية العراق الحالية، تتدرج من موضوع السيادة حتى موضوع الهوية العربية والوطنية، مروراً بملامح الوطن القادم، الذي يجب ان تكون ليست غريبة، ان لم تكن متطابقة، مع تاريخ العراق، مع انتماء شعبه، مع حضارته العربية والإسلامية.

إنها قضية سياسية بامتياز، انها قضية هوية وطنية بامتياز، وليست قضية أمنية على الإطلاق.

ثالثاً: نرفض ان تكون دماء جنودنا العرب، رخيصة، فدماء جنود التحالف ليست أغلى، ولن تكون كذلك، فالدم نفسه، يسري في شرايين هؤلاء جميعاً، وكنا قد بادرنا إلى التأكيد أكثر من مرة، ودعونا الغرب إلى وقف نزيف دم جنوده وشعبنا في العراق، ولكن دون ان نلقى أذاناً صاغية، مع الأسف.

رابعاً: أن الجندي العربي ليس حقلاً للتجارب، ولا للاكتشاف، والمغامرة، وليس وقوداً للمخططات الرامية إلى تفتيت المنطقة العربية.

خامساً: لن نضحي، بأي جندي عربي، بسبب أخطاء الآخرين، فلقد دفع وطننا العربي أثماناً باهظة، وسدد من رصيده، نيابة عن الآخرين، ولكننا نقولها للقاصي، والداني، لقد بلغنا يا سادة سن الرشد، ونتحصن الآن بالتجربة، وبالمراس بتراكم حضاري، يربأ بنفسه أن يكون مرة جديدة ضحية لقرارات الآخرين الخاطئة، والمقامرة.

سادساً: على الأمم جمعاء، شرقاً، وغرباً، ان تعي وتدرك أنها، تتخاطب، وتتعامل مع شعب يدرك ويقدر ويحترم حرية الشعوب، وخياراتها، وفي الوقت عينه يطلب منها التعامل الندي، واحترام القرارات الوطنية للشعوب بامتلاك خياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

سابعاً: ان الحل السليم، أو بالأحرى بداية الحل تكمن أولاً وأخيراً في تسليم زمام الأمور في العراق إلى أبناء هذا البلد المخلصين، إلى الشرفاء أصحاب التاريخ والعراقة القومية، وليس إلى المرتزقة او من يدور في أفلاكهم، وطواحينهم.

ثامناً: الاعتراف بأن قرار تسريح الجيش العراقي كان قراراً خاطئاً وإيجاد الآليات المناسبة لإعادة تأهيله فوراً لاستلام مهام حفظ الأمن والنظام والسلم الأهلي داخل جميع حدود العراق المعترف بها دولياً بالتزامن مع انسحاب قوات التحالف.

تاسعاً: يجب ان يعترف الغرب بهذا الخطأ المدمر الذي ارتكبه في العراق.

من جهتنا ورغم فداحة الخسارة، ورغم حجم وكوارثية التضحيات والأثمان البشرية العراقية، نقول للإدارة الأميركية يجب على الأقل تعويض العراقيين ما يمكن ان يعوض من خسائر مادية وتدمير وسرقة آثارات الحضارات المتعاقبة فقط لأن الضحايا البشرية لا يمكن تعويضها أبداً ولكن عليهم وقبل الرحيل الحتمي إعادة بناء ما دمروه وليس أكثر.

أخيراً: لابد من تقديم جميع المرتكبين والمجرمين إلى القضاء العراقي الجديد لتتم محاكمتهم على الجرائم والإساءات التي ارتكبوها بحق الشعب العراقي وخاصة في فضائح السجون حيث تمت الممارسات المشينة بحق الإنسانية جمعاء، والتي ندى لها ومنها جباه البشر في جميع أنحاء الكرة الأرضية.

باختصار نقول، وحرصاً على أرواح ومقدرات الشعب العراقي وجنود التحالف، وبما أن قوات التحالف قد اعترفت اعترافاً ضمنياً بأخطائها فإننا ندعو قبل الخروج إلى عدم تكرار الأخطاء والحفاظ على وجه العراق وتاريخه ومستقبله.