جاءت استقالة وزير الداخلية اللبناني حسن السبع لتطمئن الى جديّة الاجراءات، أو أقلّه جديّة النوايا. وهو ما يؤكده صدور العقوبات إذا صدرت، والتي ينبغي ان تصدر، بحق من ارتكبوا الهجمة الهمجيّة على الأشرفيّة قبل يومين.

لكنْ، مع هذا، يبقى ان المسألة سياسيّة، في المقام الأول، لا أمنيّة. ولأنها، كذلك، يبدو «إسقاط الحكومة» عنواناً خاطئاً وشعاراً خطيراً في آن. فالمطلوب، في المقابل، إحداث مزيد من الانسجام في الجسم الحاكم بدل تفكيك ما هو منسجم، أو ما يمكن أن يكون منسجماً، فيه. وهو ما يقود، مرة أخرى، الى طرح مسألة الازدواجيات المعطّلة لوحدة القرار، أتجسّدت في رئاسة الجمهورية، أم في تقاسم أدوات العنف مع «حزب الله»، أم في بقاء الحدود بمنأى عن كل سيطرة عليها، لا فارق أكانت شرقية أم جنوبية. وغني عن القول انه حين لا يستطيع الجيش ان يحمي البلد من حدوده، لا تستطيع قوى الأمن ان تحمي الشعب في مناطقه.

لقد تمثلت الايجابية الأولى، وربما الوحيدة، في ان اللبنانيين تجنّبوا اللجوء الى العنف رداً على العنف. فسيناريو «بوسطة عين الرمانة» لم يتكرر، تماماً كما ان مسلسل الاغتيالات والتفجيرات، من قبل، لم تحمل على ردود من الطبيعة نفسها. وهو سلوك لا بد ان تجربة 14 آذار (مارس)، على رغم كل ما قد يؤخذ عليها، عصمت عنه وساعدت على تجنيبه.

لكنْ، مع هذا، لا بد من الانتباه الى الحساسية الفائقة التي ينطوي عليها الحدث البشع الأخير في ما خص السلم الأهلي. فهي المرة الأولى تُخترق وتُستباح فيها منطقة ذات لون طائفي معين بطريقة كهذه، وهي المرة الأولى التي يُظهر فيها التلفزيون مدى حضور الوحشي في حياة اللبنانيين، وفي ما دون حياتهم. ولا بأس بالتذكير بأن المنطقة ترسل إشارات متطرّفة ومقلقة، هي الأخرى، لا تقتصر على تفجير بضعة كنائس في العراق. فما بين تحويل الموضوع النووي الإيراني الى مجلس الأمن وفوز «حركة حماس» في الانتخابات الفلسطينية، ثمة أكثر من مرجل يغلي، وثمة أكثر من مصدر يضخّ أفكاراً من النوع القاتل. وهي «سياسات» ربما كان المعنى الرمزي لانتحاريّتها ولإخفاقها في إحراز أهدافها ساطعاً. فالذين شاؤوا ان يؤذوا السفارة الدنمركيّة أحرقوا كل شيء إلا السفارة المذكورة.

ويُستحسن في الذكرى الأولى، الوشيكة، لجريمة 14 شباط (فبراير) ان تتوقف عند هذه المعاني، وان تعيد تقويمها، أكان منها ما تعلق بوضع الجسم الحاكم، أو ما تعلق بالثقافة والأفكار التي تهبّ على المجتمع وتؤدي الى ما شهدناه في الأشرفية