ليس هناك ديمقراطي ليبرالي متحضر في هذا العصر لا يؤمن بحرية التعبير الذي يمثل الفاتحة الأولى لكل الحريات المدنية والعامة على تنوعها، سواء أكان في جنوب الكرة الأرضية أم في شمالها. وليس هناك إنسان لا يميل بطبعه إلى الحرية ، ولا سوّي يقلل من أهمية تمتعه وتمتع مجتمعه بهذه الخاصية التي يفطر المرء عليها منذ ولادته.

وأن يعترض على رأيك شخص، ويحاججك في وجهة نظرك، مخالفاً المنطق الذي تتبعه، والتحليل الذي تعرضه، والنتيجة التي تخلص إليها، فذلك أمر مقبول ومفهوم، بل ومرغوب به في مطلق الأحوال، إذ بدون الاختلاف في الرأي والتعارض في الاجتهادات لا يستقيم رأي الجماعة، ولا يغتني المجتمع بالتنوع الضروري اللازم في كل زمان ومكان .

أما أن يتعدى غيرك عليك لا على وجهة نظرك، وأن يهزأ بك وينال من شخصك، ثم يقول لك أن هذه هي حرية التعبير، فذلك ما لا تقبل به، ولا تقدر على احتماله مهما طال صبرك؛ فأنت تقبل الاختلاف في الرأي ولكنك حتماً لا تقبل الإهانة والتعريض الشخصي بك، فما بالك إذا تعدى الأمر ليطال خصوصياتك ورموزك ومعتقداتك؟ ولا يغير من الأمر الاختلاف في الثقافات والمرجعيات المعرفية، ولا يبدله التباين في سلم الأفضليات والاهتمامات، عند تحديد ما هو مباح وما هو ممنوع في مسألة حرية الرأي والتعبير هذه.

ومع أن المرء لا يرغب في قرارة نفسه أن يرى خطوطاً حمراء في سماء الحريات كلها، إلا أن ذلك يجب ألا يغري برفع القيود كل القيود، وإباحة القول دون رقيب أو حسيب.

ولعل ما حدث مؤخراً في بعض الدول الاسكندنافية من تجاوز شديد، وإساءة بالغة وإهانة لأهم الرموز الإسلامية وأكثرها قداسة، وتبرير ذلك الفعل الخسيس والدفاع عنه باسم حرية التعبير، خير دليل على سوء عاقبة القول المرسل على عواهنه، وأوضح بيان على الخلط بين الرأي وصاحب الرأي، وازدراء الإنسان عوضاً عن انتقاد موقفه أو وجهة نظره أو صحة اعتقاده.

فأي جاهل ذاك الذي قبع وراء مكتبه في إحدى الصحف الدنيماركية الوضيعة، كي يطلب من بعض رسامي الكاريكاتير رسم صورة الرسول الكريم، الذي لم يسبق لأحد أن صوره أو تصوره، وأن يقرن ذلك الرسم بكل ما ينم عن قصور في الفهم، وتعمد في الإساءة، ومبالغة في تظهير صورة عامة عن المسلمين ودين المسلمين في أربع رياح الأرض؟! وكأني بذلك الرجل الأحمر الشعر في كوبنهاغن يقول الآن لمحدثيه: لم أك أدري أي موضع مقدس قد جست فيه دون تحسب، وأي رمز ديني تجاوزت عليه من غير تدبر، وأي مقام رفيع لدى مئات ملايين الناس قد تطاولت عليه بـلا مبرر، وأي مارد من الغضب والألم والشعور بالإهانة قد أطلقته من قممه على غير هدى مني ولا معرفة مسبقة؟! غير أنه قد يكون من المفيد القول أن كل هذه المشاعر التي تغلي في صدور المسلمين، والعرب على وجه الخصوص، وكل هذه الاحتجاجات المبررة على أي حال، الممتدة من الماء إلى الماء، قد تؤدي إلى عكس ما هو مرغوب منها، إذا استمرت في تصاعدها الحالي، وانفلت عقال الانفعالات غير المشروعة على نحو ما جرى في بعض العواصم العربية مؤخراً. ذلك أن من المأمول فيه أن يعبر المصدومون عن جزعهم الشديد إزاء هذا التطاول عليهم وعلى دينهم ونبيهم العظيم، بصورة تختلف عما نقلته الشاشات من مشاهد اختلط فيها الغضب الحقيقي بالرغبة في الانتقام العشوائي، وتضارب فيها التصرف الحضاري والاحتجاج السلمي بمشاهد مؤلمة من انفلات الغرائز وحالات التعدي على الممتلكات، مما قد يرتد إلى قلب صورة الإسلام والمسلمين الموصوفين بالتطرف والغلو وغير ذلك من النعوت التي درج عليها الغرب.

غير أن التساؤل، ولا نقول السؤال، الذي لم يطرح نفسه إلى الآن على المحاكمة العلنية لهذا الغضب الإسلامي الذي يتدفق كأنه الموج العارم، هو هل أن الباعث على كل هذه الاحتجاجات الصاخبة واللوعة الحارقة، يكمن فقط في واقعة الرسم الكاريكاتوري الذميمة، أم أن في النفوس جروحا غائرة، وفي الروح المعذبة منذ قرون طويلة آلاماً راكمتها الحروب العدوانية والمظالم التاريخية والإهانات الفظيعة لكل أبناء هذه الأمة، التي تم الافتئات عليها بلا سبب، ومصادرة حقوقها الأساسية دون ذنب، والدوس على كرامتها وأوطانها صباح مساء، بعجرفة واستعلاء وعنصرية كريهة!