مقولة شهيرة لا يمكن لأحد الطعن بها ، قيلت ضمن مجريات حادثة شهيرة ، من قبل رجل ذي مكانة واحترام وهالة معينة عند الكثير ، حادثة يعرفها الجميع وبالأخص عند أتباع الديانة "الإسلامية" الذين يعلمون حق العلم مدلولاتها ونتائجها ، كما هم يعلمون ماهية "رب الكعبة" ، ومتى وجدت "الكعبة" ، ومقدار أهمية "الكعبة". لي كل الحق بالتساؤل عن ماهية السبب في وجود الفرق بدرجة الوعي من خلال المقارنة بين زمن يسمى "الجاهلية" ، والزمن الحالي ..؟ كما لي كل الحق بالتساؤل عن معنى الآية الكريمة " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" ....؟

رسومات كاريكاتورية نشرت منذ فترة ستة أشهر مضت ، في صحيفة محدودة الانتشار يمكن تشبيهها بالصحف الرسمية المحلية في الشام ، وتعد ضمن الفئة الثالثة من الصحافة الدانماركية . بغض النظر عن حصول محاولات "للنقاش" أو "للحوار" من قبل الموصوفين "بالممثلين" عن "الطائفة الاسلامية" في الدانمارك خلال الفترة المنوه اليها ، وفشل تلك المحاولات كما يقال ، إلا أننا سمعنا رأي صريح لرئيس "لجنة الحوار الديني" في الدانمارك خلال لقاء له على شاشة العربية ، والذي أوضح من خلاله أنهم ، كمسلمين دانماركيين ، تقبلوا الاعتذار الضمني والأسف والشجب لما حصل من إهانة غير مقصودة للغير ومن تطاول على الرموز الدينية ومقدسات المسلمين ... هذا الأسف والشجب الذي قيل من الجهات صاحبة العلاقة المباشرة ، والجهة الإدارية الرئيسية في الدولة المعنية ، جاء وفقاً لما يمارسونه حقيقة من تعبير ثقافي إنساني . هذا الشجب الذي صدر بطريقة تدل بل وتؤكد ، جهلهم التام بمكنونات الديانة الإسلامية وماهيتها عامة ، والذي صدر بطرق تؤكد احترامهم للإنسان باعتباره قيمة كبيرة ، باعتباره خليقة لله ، كما تعبر عن أسفهم لجهلهم بالغير ( الذي يعتبرونه مثلهم إنسانية وعلماً وثقافةً وقيمة ) ولما سببته تلك "الرسوم الكاريكاتورية" من إهانة له ولمعتقداته الدينية ... رسومات كاريكاتورية عبرت عما يختزنه بعض الدانماركيين من مخزون معرفي ، كان ناجم عن تفاجئهم مما شاهدوه بأعينهم من أفلام "فيديو" وصور وتعابير صادرة عمن يُعتبرون "مجاهدين" ويعتبرهم الدانماركيون "ممثلين للدين الإسلامي" ، من قطع للرؤوس وتناقلها بينهم ، من تفجير وتقتيل للأطفال ، للنساء ، للعمال ، ومن تفجيرات "إرهابية " في أماكن متفرقة من العالم ... رسومات كاريكاتورية تؤكد حصولهم على معرفتهم للدين الإسلامي وصدمتهم به ، من خلال مشاهداتهم ومن خلال ما لمسوه ورأوه وشاهدوه وسمعوه من خطف للرهائن باسم الدين ، وقتل للإنسان باسم الدين ، وتشويه للإنسانية باسم الدين ( هل يمكن لأحد التجاهل أو التغافل عن أعمال "طالبان".. ؟) ... وجميعه خلال العقدين الأخيرين ... إنهم "كغربيون" يعلمون بقدر كبير معنى الإنسانية لأنهم أهدروا الكثير من الدماء بحربين عالميتين ، وأنفقوا عقوداً من حياتهم في سبيل الوصول إلى التطبيق شبه التام إلى ما يطلق عليه تعبير المواطنة التامة الحقيقية ، التي تحفظ كامل الاعتبار للإنسان باعتباره قيمة كاملة لا مجرد رقم . إنهم يعتبرون أن الدين علاقة روحية ما بين الإنسان والخالق ، الواهب للحياة ... يعتبرون أن الدين أسمى من إسالة الدماء باسمه لأنهم يدركون كم كان أسلافهم مخطئين بممارساتهم في سابق الأزمان والأيام ... كما يعتبرون أن الفرد المخطئ هو من يتوجب عليه تحمل نتيجة خطئه لا المجموع . وبالنسبة لهم فإنه لا يمكنهم المقارنة ما بين المحارق النازية أو معاداة السامية ، باعتبارهما غير مرئيتين ، وبين ما يرونه واقعاً أمامهم في عصر الديجيتال والإعلام ... وقد أدركوا مقدار خطئهم فتقدموا بالاعتذار بطريقتهم وأسلوبهم ، كما هم معتادون ... من أسف وشجب .

هذا الشجب الذي صدر بعد حالة كبيرة من "التجييش" الإعلامي الإسلامي بطريقة سريعة متصاعدة لا مبرر منطقي لها بعد مرور تلك الفترة الزمنية ... وبعد "مقاطعة" فورية شبه عامة للمنتجات الدانماركية ...؟ لكن .. أهي المنتجات المدفوعة قيمتها والموجودة في مخازن الدول العربية الإسلامية أم المنتجات التي سيتم التعاقد عليها ..؟ الا يحق لنا التساؤل فيما إذا كانت الشركات الدانماركية أو الأوروبية تقوم ببيع منتجاتها "بالأجل" أم "نقداً " ...؟ وإن كان النفط يباع بالأجل أم بعقود مستقبلية ..؟ وبالمناسبة ، أيهما شديد التأثير ، مقاطعة الشراء أم مقاطعة التزويد بالنفط ..؟ بالنسبة لي ، أنا البسيط الذي لا أملك مخزوناً نقدياً أو مخزوناً نفطياً ، أعتقد أنني سأكون أقوى بفرض مصلحتي إن تحكمت بكمية وبطريقة إمداد "خصمي الذي لا يحترم والذي أهان معتقداتي ومقدساتي" بما يعتبر ركناً أساساً من أركان اقتصاده . فلم لم يتم استخدام النفط ، السلاح الأمضى تأثيراً على العالم كله عوضاً عن حملة التجييش الإعلامي وعن مقاطعة شراء المنتجات الدانماركية ، وللمفارقة فإن المقاطعة قد أضرت بالتجار والمخازن المحلية لا بالأجنبية منها ، ذلك رغم كل ما تردد من أقاويل عن خسارات يومية مهولة للشركات الأجنبية .

لكن ما يثير الشك فعلاً حول مرور ستة أشهر زمنية - وهي فترة ليست بالقصيرة – عدم إيراد خبر أو إشارة أو تصعيد للموضوع – قد يكون مبرراً نسبياً في حينه - ... ألم يعلم أحد خلال الفترة المذكورة بتلك الرسوم الكاريكاتورية ؟ رغم وجود سفارات لجميع الدول العربية في تلك الدولة التي "تجرأت" ونشرت إحدى صحفها تلك الرسوم ..؟ ألم يشاهد أحد من الموظفين العاملين في السفارات المذكورة ، وبشتى مراتبهم الوظيفية ، تلك الرسوم من قبل ...؟

الله سبحانه وتعالى ، وهبنا العقل كي نفكر، كي نعرف الخير من الشر، كي نعرف ونحدد أعمالنا التي تسير بنا إلى مصيرنا "الجنة أو جهنم" ... بالعقل يمكننا التساؤل : ألم يعلم أحد من قبل ؟ ونجيب باحتمال كبير بالموافقة ... محال . بالعقل يمكننا التساؤل : لم في هذا الوقت بالذات ؟ ونجيب باحتمال كبير بالموافقة : وفقاً لمجريات الأحداث ، والمصالح ، والأهداف ، واللعب في مسرح بلدان الشرق الأوسط ..... وبالعقل يمكننا التساؤل : لم في الشام ولبنان فقط وليس في باقي " بلاد الأمة الإسلامية" ؟ ونجيب باحتمال كبير بالموافقة : " لغرض في نفس يعقوب" ... (من هو يعقوب ... ؟) وبالعقل يمكننا التساؤل : ما السر في نشر الإحصائيات "المؤكدة" عن الخسارات المالية اليومية للشركات الدانماركية جراء "المقاطعة العربية الاسلامية" لمنتجاتها ، وخلال زمن قياسي لا يتعدى الأسبوع ...؟ ألا يحق لنا العودة بالذاكرة والمقارنة في نتائج المقاطعة الشعبية العربية لأميركا وإسرائيل لأجل القضايا القومية وقضايا كرامة وحقوق الأمة العربية ...؟ وبالعقل كذلك ... نستطيع أن نفكر ، وأن نعرف الصواب من الخطأ ... ويمكننا الإدراك ومعرفة من هو المسيء الحقيقي للرسول وللإسلام ...

بالعقل فقط نستطيع الفصل مابين حوادث الماضي بأزمنته المختلفة ، وأحداث الحاضر ، فكما أن الغير استعمر بلادنا وهاجمها حرباً الكثير من المرات ، فإن أجدادنا لم يقصروا أيضاً وما معركة "بواتييه / بلاط الشهداء" إلا دليل واحد عن ذلك .. قد يكمن الفارق في مقدار أهمية "الماضي" ، ف "الغير" يعتبر الماضي ماضياً وما كان حصل لا يتحمل وزره الأبناء ، بعكس مفهوم الماضي لدينا .. وبالعقل أيضاً لا يمكن لنا تجاهل تاريخنا وما حصل في بدايات الإسلام وبخاصة بعد وفاة الرسول .. وما حصل مع "الخلفاء الراشدين" ومن إهانة للمصحف وطعنه بالنبال ( لا "غوانتانامو فقط التي يحاول البعض جعلها كمسمار جحا) ؟ وبالعقل لا يمكننا التغابي عن وجود "أوصياء" و"كهنوت إسلامي" و "ناطقين باسم الله" في البلاد الإسلامية... كما لا يمكننا التغابي عن "الطهارة والإنسانية في التعامل فيما حصل أيام زمان في سجن أبو غريب الشهير ...

في نهاية الثمانيات من القرن الماضي كانت ضجة إعلامية كبيرة حول نظريتين قائمتين على تقسيم العالم إلى معسكرين أساسيين، شرقي وغربي ، أو إسلامي مسيحي .... مع تجاهل شبه مقصود لباقي الديانات أو الحضارات ... ثم كانت النظرية القديمة/الجديدة : الشرق الأوسط الجديد ... وقد سبق وأن تصاعدت الدعوات إلى تفعيل الحركات والتنظيمات الاجتماعية الحقيقة بما تشمله من حركة تفاعلية صحيحة بين أفراد المجتمع الواحد . كما كانت مساهمات من جهات متعددة للتنبيه إلى مكامن الخطورة في التركيز على الشؤون الدينية/الطائفية/المذهبية/العشائرية/العرقية . جميعها تستند في تطبيقها وتحقيقها في منطقتنا إلى العاطفة فقط ، تلك العاطفة التي تلغي العقل ، تلغي الإنسانية وتعود بنا إلى عصور الهمجية ، إلى عصور الجاهلية ... إلى عصور القبلية والقبيلة والعشائرية والتقسيمات الطائفية /المذهبية/العرقية . أنعود مجدداً إلى عصور الجاهلية ... ؟ أين هي الوطنية ..؟ أو حتى العروبة ..؟ هل أصبحت هويتنا دينية فقط ...؟ أهذا هو معنى الوطنية والقومية بعد سنوات من النضال في سبيل تحقيق أهداف الأمة العربية ...؟ أو نحن فعلاً خير الأمم بالقول والممارسة ؟ وإن كنا كذلك فما سبب النفور منا ..؟ أنخادع أنفسنا أم غيرنا هو من يخادعنا ..؟ وهل من مصلحتنا أن تكون هويتنا دينية .. ؟ . لا أدري إن كان ما حصل من ردود أفعال وتصريحات متشنجنة ومزاودات إعلامية تسير ضمن منحى "مكارم الأخلاق" التي يحاول الكثير تصحيح ما علق في أذهان "الغير" عنها ... لافتات رفعت تطالب بالانتقام وأصوات أطلقت تطالب بالدماء وأسلحة بيضاء استخدمت ونيران أشعلت .. أهذه هي "سماحة الإسلام"..؟ أهذه هي "مكارم الأخلاق" ..؟

أيعجز الله عن تثبيت حكمه للأرض إن شاء ...؟ أهو عاجز عن الدفاع عن حقيقته ، عن قوته ، عن أنبيائه ، أفوّض أحداً بالدفاع عنه ، أفوّض أحداً بالقتل باسمه ، أفوّض أحداً بالتحدث نيابة عنه .. ؟ أهو عاجز عن الدفاع عن كرامة "أنبيائه" ..؟ أليس هو القائل " لو شاء ربك لجعلكم أمة واحدة "....؟ ألا يستطيع صنع "تسونامي" أو "زلزال مدمّر" أو "بركان قاتل" أو "إغراق عبارة بحرية" أو خسف الأرض "بالكفرة المارقين" ... وترميل نسائهم وتيتيم أبنائهم ...؟ هل أعطى أحداً الصلاحية للحكم باسمه ...؟ ألم يستطع "المتنورون المعتدلون" استيعاب الموضوع وتوجيهه بالطرق الأفضل أم أن "أسامة بن لادن" و"الضواهري" و "أبو محجن" و"الزرقاوي" و "القرضاوي" و"مشايخ التكفير" .... هم من يمثل الإسلام ...؟

فقرة شهير للعقيد القذافي كانت ضمن خطاب شهير له ، حيث أورد فيها ما معناه بأننا نحن شعوب الشرق منبع الديموقراطية وممارسيها الحقيقيين ، فقد أسقطت حكومات جراء المظاهرات الشعبية في أوكرانيا ولبنان ، ولم تسقط أية حكومة رغم المظاهرات المليونية في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية ... ( وألف إشارة استفهام وتعجب) . وهو حتماً ، لم يتطرق إلى الديموقراطية في البلاد العربية وإلى ما تحويه من انتشار كبير لثقافة الوهم ، والقطيع ...

بعيداً عن نظرية المؤامرة ، ألم يتساءل أحد عن ماهية ما حصل من أمور سياسية خلال مجريات التصعيد وتوجيه الأنظار باتجاه محدد ..؟

أخرِجوا الإسلام من قالب الأوهام وانهضوا به تعاليماً إلهية لسمو ورفعة الحياة لا العكس ، لأن الله لعموم الإنسانية ولم يخلق شعباً مختاراً ليتنافس مع شعبٍ مختارٍ آخر ، ولأنه ليس بحاجة لمعارك على الأرض لإثبات وجوده أو لمن يحكم باسمه ... ولأنه لم "يخلق العرب ثم كسر القالب " .. خياران لا ثالث لهما ، إما الحضارة أو الهمجية ..قد لا يكون حقيقياً ذاك اليوم الذي يتم التمييز فيه ، بتحديد الانتماء والهوية في بلاد الغير واعتماد من هو ملتزم فقط بمواطنيته ووطنه ... وانتبهموا لأن "قد" ، تحتمل كلا الاتجاهين : الحدث أونقيضة ، الحقيقة أو عدمها ... لا تجعلوا إيقاف العقل سبباً ، فالعقل هو الميزة الأهم التي وهبها الله للإنسان كي يحدد بذاته اتجاهه وأعماله .. وينال جزاؤه نتيجة لها سواء في الحياة أو بعد الممات أمام "الديّـان" .. والعقل هو من جعل "الجاهلين" يقولون "للكعبة رب يحميها" ، لأنهم - وفي زمن الجاهلية – يعرفون مدى قدرة الرب وأنه ليس بحاجة لمطلق إنسان .. يدافع عنه وعن رسله وأنبيائه ، وينصرهم لحفظ كراماتهم ... وبالعقل والمنطق ، نجد أن الله تعالى قد اختار أشخاصاً لنشر تعاليمه ، ولم يختر شعوباً ... أكرر ثانية ، أخرِجوا الإسلام من قالب الأوهام وانهضوا به تعاليماً إلهية لسمو ورفعة الحياة لا العكس ، وانزهو به عن أوحال السياسة والطائفية ، وعن المتاجرة باسمه .. وبه .

أقول أخيراً أنه لا يمكن لي أن أصف ما حصل وما قد يحصل بالهمجية والبربرية ، فكأني بذلك أهين الإسلام وهو منها براء .. يمكنني القول فقط بأن من فعلوا ما فعلوه خلال "المظاهرات الاستنكارية" في الشام ولبنان وغيرها من الدول ، ما علمنا وما لم نعلم ، بأنهم كافرين ومارقين وخارجين عن الإسلام .... لكني لا أستطيع أن أصفهم بالحمير ، لأني بذلك ... أظلم الحمير .

وأكرر ثانية ما ذكرته ضمن مقال سابق لي ، بأن الخسارة أو الربح الناجم عن اللعب في "مسرح بلدان الشرق الأوسط" .. يمسّ بالجميع .... وأختم بدلالة صادقة معبرة ، حيث صدق الشاعر الذي قال :

لعمرك ما الأديان إلا نوافذ يرى الله منها فعلة المتعبد تعاليم إصلاح وعدل ورحمة فلا تجعلوا منها سلاحاً لمفسد