أحمد الخميسي

في 16 يناير هذا العام فازت ميشيل باشليه في انتخابات الرئاسة في تشيلي . والرئيسة الجديدة في الرابعة والخمسين ، مطلقة ، ولديها ثلاثة أطفال ، توفي والدها – جنرال في سلاح الجو – تحت وطاة التعذيب في سجون الديكتاتور بونيشيه الذي أطاح بحكم سلفادور الليندي عام 1973 بتدبير أمريكي . اعتقلت عام 75 لنشاطها في الحزب الاشتراكي ، ثم نفيت إلي أستراليا ، وأصبحت طبيبة أطفال ، ثم درست العلوم العسكرية ، فعينت فيما بعد – في حكومة الرئيس لاجوس - وزيرة للصحة عام 2000 ، ووزيرة للدفاع بعدها بعامين ، والآن أصبحت أول سيدة تحكم بلدا في أمريكا اللاتينية ، وتعد نساء بلدها بنصف مقاعد الحكومة . تطرح ميشيل باشيليه مرشحة ائتلاف يسار الوسط برنامجها الرئاسي في النقاط التالية : تصفية الأسس الدستورية التي تبقت من حكم الطاغية بينوشيه – تعميق الديمقراطية – انهاء معاناة الفقراء والمحرومين والأقليات – إقامة مجتمع أكثر عدالة – مواصلة السياسات الاقتصادية التي قلصت نسبة الفقر بمقدار النصف – منح المرأة فرص عمل أوسع – إصلاح نظام المعاشات – رصد ميزانية أكبر للتعليم والصحة – مواصلة الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية . ويأتي انتصار ميشيل باشليه استكمالا لانتصارات اليسار الجديد في أمريكا اللاتينية التي بدأت من فنزويلا مع وصول هوجو شافيز – صديق كاسترو الحميم- إلي الحكم عام 1988 وإعلانه أن : " جذور الفقر والجوع وتلوث المياه تمثل النموذج الاقتصادي المفروض على العالم بواسطة الرأسمالية الوحشية واللاأخلاقية " ، وأن : " الدول الصغيرة والفقيرة والمتخلفة لا تملك سوى الاتحاد " . ثم جاءت بعد ذلك البرازيل حين انتخبت لولا دي سيلفا – من عمال التعدين – رئيسا للبلاد في 2003، ثم حل الدور على الأرجنتين بعدها بعام فوصل إلي الحكم الزعيم اليساري نيستور كريشنر ، وفي نهاية 2005 اكتسح الانتخابات في بوليفيا قائد يساري آخر هو إيفو موراليس وهو أول زعيم من السكان الأصليين يحكم بوليفيا منذ خمسمائة عام . وبذلك أصبح حوالي ثلاثمائة مليون نسمة ( من أصل 365 مليون في أمريكا اللاتينية ) يعيشون في ظل حكومات يسارية . والقاسم المشترك بين دول أمريكا اللاتينية التي انعطفت يسارا هو الفقر المدقع ، والأزمة الاقتصادية ، وفشل برامج الإصلاح الاقتصادي وفق تعليمات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي . وفي فنزويلا التي تعد أغنى بلدان القارة بالنفط يعيش 80 % من السكان (من أصل 25 مليون نسمة ) تحت خط الفقر ، وفي البرازيل التي تشكل نصف مساحة القارة ويبلغ تعداد سكانها 180 مليون نسمة يعيش 55 % من السكان تحت خط الفقر ، ويبلغ تعداد الأرجنتين 35 مليون نسمة نصفهم تحت خط الفقر ، وفي بوليفيا

وتحتوي أرضها على ثاني أهم مخازن غاز في القارة يعيش ثلثا السكان تحت خط الفقر،

ويعاني في تشيلي ( من أصل 15 مليون ) خمس السكان من الفقر . البؤس الطويل الأمد ونهب ثروات تلك الشعوب ، وفشل كل برامج الإصلاح الاقتصادي وفق الوصفة الأمريكية ، فجر ذلك الوجود اليساري الذي لم يكف عن النشاط من قبل لعقود طويلة . ويشترك اليسار الجديد في أمريكا اللاتينيه في أنه ليس ذلك اليسار التقليدي بالمعنى الماركسي ، أو الشيوعي ، إنه يسار يعتمد على الطرق الدستورية والانتخابات ، والمزاوجة بين دور القطاع العام والقطاع الخاص ، والتعامل مع الاستثمارات الأجنبية ،

وتبني سياسات مستقلة بدرجات مختلفة عن شروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وإعادة الاعتبار لدور وسيطرة الدولة بدرجات مختلفة ، ومضاعفة ميزانية التعليم والصحة ، والقيام بإصلاح زراعي محدود ، وتوسيع حقوق السكن والمعاشات ، وتعميق الديمقراطية دستوريا وفعليا ، وتوفير الخدمات الاجتماعية ، والرقابة على الأسعار ، والتحكم في موارد البلاد . وأخيرا تبني سياسة مواجهة العولمة الرأسمالية و"الليبرالية الجديدة" المتوحشة . وبطبيعة الحال فإن الأصول الفكرية للزعماء اليساريين الجدد مختلفة ، كما أن درجة عدائهم للاستعمار الأمريكي متفاوتة ، ولكنهم يحاولون جميعا أن يخرجوا من إطار السيطرة المطلقة لقوانين العولمة والهيمنة الأمريكية ، ليطرحوا نموذجا يساريا ، لا يدعي لنفسه ما تدعيه كوبا ، لكنه يحاول تحسين أوضاع بلاده بانتزاع حقوقه في التنمية والأرباح والثروات لصالح شعوبه ، ويحاول أيضا أن يتبنى سياسة واضحة بشأن التهديد الأمريكي للشعوب الأخرى . ومازال المجال مفتوحا أمام انتصارات أخرى ، إذ لا يستبعد الكثيرون أن يفوز اليساري القديم إيمانويل أورتيجا وجماعته السانديستية في الانتخابات القادمة في نيكاراجوا ، بعد أن فشلوا في ذلك عام 1990 . قد يكون جديرا بالذكر أن المقاومة العراقية التي تستنفد جهد وانتباه الأمريكيين قد ساعدت يسار أمريكا اللاتينية بدرجة أو بأخرى في النجاح الذي حققه ذلك اليسار الجديد . تحقيق النجاح ممكن في بلدان أشد فقرا وتخلفا من مصر ، فلماذا لم تستطع التيارات اليسارية والقومية والعلمانية عندنا أن تحصد شيئا في الانتخابات النيابية الأخيرة ؟