الضجة التي أثارها نائب الرئيس السوري السابق «عبدالحليم خدام» في انقلابه» على حزب البعث الذي كان مظلته طوال أكثر من أربعين عاماً من العمل السياسي، تثير أكثر من سؤال حول وعي الجماهير، وقدرتهم الفعلية على التمييز قبل اندفاعهم وراء هذا الزعيم.

أو ذلك القائد، خاصة بعد أن أصبحت لعبة تبديل الأدوار أشبه بالظاهرة في عالمنا العربي، كانت بدايتها مع «انتفاضة» حسين كامل على حزب البعث العراقي، حين لجأ إلى الأردن، وبدأ في الحديث بمفردات ولغة جديدة، آملا أن يمحو بمفرداته الجديدة هذه، مفردات قديمة شاخت معانيها، فكان أن لجأ إلى «الانتفاضة».

والسؤال هنا لا يتعلق بدوافع وأهداف هؤلاء «الخارجين» عن مساراتهم القديمة، وإنما هو سؤال حول مدى استيعاب الجماهير والشعوب لمثل هذه المراوغات، فلو لم تكن هنالك استجابة وقبول من جانب الجماهير «لانتفاضة» أولئك الساسة، لما لجأ هؤلاء لمثل هذه المخارج التي يرون فيها تصحيحا لمواقعهم، وعودة للتغرير بالجماهير، ولكن بأثواب أخرى. قد يجيب عن مثل هذا السؤال «غوستاف لوبون» المفكر الفرنسي ومؤسس «علم فلسفة الجماهير» الذي يرى أن الجماهير لا تعقل، فهي ترفض الأفكار أو تقبلها كلا واحدا.. من دون أن تتحمل نقاشها، فما يقوله لها الزعماء يغزو عقلها سريعا فتتجه إلى أن تحوله حركة وعملا.

وما يوحي به للجماهير ترفعه إلى مصاف المثال ثم تندفع به ـ في صورة إرادية ـ إلى التضحية بالنفس، فهي ـ أي الجماهير ـ وبرأي «لوبون» لا تعرف غير العنف الحاد شعورا، فتعاطفها لا يلبث أن يصير عبادة.

ولا تكاد تنفر من أمر ما حتى تسارع إلى كرهه، بل حتى لو كانت تلك الجماهير علمانية الفكر والهوية، فإنه تبقى لديها ردود فعل دينية، تفضي بها إلى عبادة الزعيم، والى الخوف من بأسه.

. وإلى الإذعان الأعمى لمشيئته، فيصبح كلامه دوغما لا تناقش، وبحيث تنشأ الرغبة إلى تعميم هذه الدوغما، أما الذين لا يشاطرون الجماهير إعجابها بكلام الزعيم فيصبحون هم الأعداء.

لقد قال «لوبون» وقبل قرن من الزمان مقولته الشهيرة بأنه لا توجد الجماهير من دون القائد والعكس صحيح.. إذ لا يوجد قائد من دون جماهير.

غوستاف لوبون الذي عاش في القرن التاسع عشر كتب في الكثير من المجالات والفروع العلمية، وإن كانت شهرته قد انطلقت من خبرته في علم النفس الاجتماعي، لكن نظرياته لا تزال قائمة، ولم يؤثر في مصداقيتها تغير الأيديولوجيات عبر حقب التاريخ المتتابعة.

المثير أيضا، أن تجييش مشاعر الجماهير واستثارتها ليس بالضرورة أن يكون نابعا من مآثر إيجابية للزعامات القائدة، فصدام حسين كان قادرا على استثارة الجماهير تماما كما استطاع الزعيم الهندي «غاندي».

والتاريخ مليء برموز وزعامات قيادية كانت لها بصمات سلبية بحق شعوبها وجماهيرها لكن ذلك لم يمنعها من أن تكون قدوة ورمزا لشعوبها.

يقال دائما بأن هنالك علاقة تعود أو ألفة تنشأ بين السجان ورهينته، ويقال أيضا ـ وبناء على شواهد تاريخية ـ إن الشعوب تخلق طغاتها ومعذبيها، ولو لم تكن مثل هذه المقولات صادقة، لما أقنع شخص مثل صدام حسين الملايين من أمة العرب، ولو لم تكن الجماهير مغيبه، لما استمر حالنا المؤسف والحزين.