لا شك في ان وزير الداخلية المستقيل حسن السبع (هل هو مستقيل فعلا؟) يشعر بالمرارة والظلم لتحميل حلفائه قبل اخصامه اياه مسؤولية الحوادث الخطيرة التي وقعت الاحد الماضي في وسط العاصمة اللبنانية بيروت. ولا شك في ان الاسباب الفعلية لما حصل كما لغياب الانجازات عن وزارة الداخلية كما عن الحكومة كلها وخصوصا في المجال الامني هي بعض التي اوردها السبع في كلامه للصحافيين فور مغادرته قصر بعبدا مستقيلا. ولا شك في ان لما حصل قبل ايام بل لاهتزاز الاستقرار الامني وخصوصا منذ 14 شباط 2005 أسباباً عميقة داخلية وطائفية ومذهبية ومصالح شخصية واخرى خارجية. لكن لا شك ايضا في انه مسؤول مباشرة في شكل او في آخر عن كل ذلك اولا لانه وزير. وثانيا، لانه وسائر وزراء الغالبية يتصرفون في الحكومة كأنهم لا يملكون السلطة. وثالثا، لانه لم يتخذ الاجراءات الضرورية قبل التظاهرة المشؤومة او قبل الموافقة عليها والتي تنص عليها قرارات سابقة للوزارة التي يتولى والتي كان من شأن تطبيقها تلافي الاحتكاك واثارة الحساسيات واجتياح المناطق السكنية.

ورابعا، لان توقعاته المتعلقة بالتظاهرة لم تكن دقيقة ولا واقعية وخصوصا انه توصل اليها انطلاقا من اقتناعات او وقائع غير ثابتة حتى الآن. ابرزها اثنتان. الاولى، الهوية الطائفية او بالاحرى المذهبية للتظاهرة وهي سيئة على وجه الاجمال. والسنة بحسب اعتقاده واعتقاد كثيرين في الاوساط السياسية والاعلامية اللبنانية مع الحكومة وخطها السياسي المحلي والاقليمي ولذلك فانهم لن يقوموا باي عمل من شأنه الانعكاس سلبا على من يمثلهم وبخيارهم الحر والديموقراطي في الحكومة ومجلس النواب. والثانية، الهوية السياسية العامة للتظاهرة اي هوية تيار "المستقبل" الذي كان مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري الممثل الاول للسنة في لبنان ولفئات لبنانية اخرى والذي صار مع نجله النائب سعد الدين ومنذ الاستشهاد والانتخابات النيابية التي اعقبته بعد اشهر الممثل الحصري لهؤلاء. وتظاهرة بهوية كهذه لا يمكن ان تتسبب سواء طوعا او من خلال "الاندساس" باي اذى للخط السياسي الذي به يؤمن منظموها وقادتها. اما التوقع غير الحقيقي الذي كان عند الوزير المستقيل السبع قبل ساعات او ربما قبل يوم من التظاهرة ان عدد المشاركين فيها لن يتجاوز ـ500 متظاهر او ضعفهم في احسن الاحوال.

وتوقع كهذا لا يمكن ان يتوصل اليه مسؤول حتى لا نقول شيئا اخر يتمتع بالحد الادنى من المعرفة والخبرة في السياسة على الاقل. ذلك ان سبب التظاهرة كان الاحتجاج على الاساءة الى الرسول العربي الكريم في صحف اجنبية وذلك امر منكر ومرفوض من كل المسلمين وغير المسلمين. وسبب كهذا لا بد ان يحشد للتظاهرة ليس مئات المشاركين فحسب بل الآلاف وهذا ما حصل.

طبعا نحن نقول ذلك انطلاقا من شعور اللبنانيين عموما والذين استهدفهم ومقدساتهم في احيائهم عنف الأحد الماضي وشغبه بالمرارة بل بالخيبة والصدمة اذ انهم لم يكونوا يتوقعون من الذين ساروا معهم كتفا الى كتف في الانتخابات النيابية وخصوصا في شمال لبنان متجاوزين كل ذكريات الحرب الطويلة ومآسيها وحتى الذين نسوا او بالاحرى غفروا لبعض شركائهم في الوطن سياسات سابقة وممارسات ان يكونوا مشحونين من داخل الى درجة تجعلهم يفقدون العقل والحكمة وينسون في لحظة غضب كل الكلام الذي قيل بل "الشعر" عن العيش المشترك وعن لبنان الرسالة ولبنان الحرية والسيادة والاستقلال. الا اذا كانوا او كان بعضهم فعلا غير متعلق بكل هذه القيم سواء لاسباب دينية او ايديولوجية او لاسباب لها علاقة بالارتباط بجهات عدة داخلية وخارجية.

ونحن لا نتصدى لهذا الموضوع اليوم لندفع المسيحيين الى تحالف ثنائي مع فريق مسلم اخر قوي ومهم قد تكون ملامحه بدأت في الارتسام بعدما نضجت ظروف قيامه وبعدما ساهم شغب الاحد الماضي وعنفه في انضاجها. ولا نتصدى له ايضا للتعبير عن اسف لـ"فشل" مشروع تحالف ثنائي اخر بين المسيحيين وفريق مسلم اخر مهم وقوي بدوره علما انه قد يكون من السابق لاوانه التحدث عن الفشل في هذا المضمار او عن النجاح في المضمار الاول. بل نتصدى له انطلاقا من ايمان عميق بان استمرار لبنان رهن بقبول شعوبه بعضها ببعض ورهن لاحقا بتحول ابنائه مواطنين لدولة واحدة اسمها لبنان وليس رعايا لطوائف بدأت تتصرف كلها على انها اثنيات او قوميات لا شيء يجمع في ما بينها.

وانطلاقا من ذلك لا بد من تناول تيار "المستقبل" بالنقد البناء رغم الاحترام الكبير والمحبة الكبيرة اللذين حملناهما ولا نزال لمؤسسه الشهيد رفيق الحريري ورغم الآمال الكثيرة التي نعلقها ويعلقها معنا لبنانيون كثيرون على خلفه في المسؤولية السياسية والنيابية والشعبية نجله سعد، ذلك بغية التصحيح والتصويب اذا وجد القيمون على "المستقبل" ضرورة لذلك حرصا على لبنان كل لبنان وليس على افرقاء فيه ذوي انتماءات طائفية ومذهبية.

النقد الاهم هو تعميم الاعتقاد او بالاحرى الاقتناع بأن تيار "المستقبل" يمثل كل السنة في لبنان، وهذا امر قام به قادة "المستقبل" رغم انفتاحهم على جهات وشخصيات مسيحية عدة. وقام به ايضا وان لاسباب اخرى اخصامهم السياسيون ومنافسوهم. ولم يكن هذا التعميم في محله رغم ان ما حصل في 14 شباط و14 آذار 2005 يغري بالوقوع في فخه وخصوصا عندما احتشد "اهل السنة" وغيرهم من ابناء الطوائف والمذاهب الأخرى من كل بقاع لبنان احتجاجا على اغتيال الحريري ورفضا للوجود السوري في لبنان وطلبا للحرية والسيادة والاستقلال. فداخل اهل "السنة" اصوليون متطرفون ينتمون الى تيارات خارجية، وداخلها متصوفون، وداخلها وسطيون وهم الاكثرية وداخلها عقائديون لبنانيا او عربيا، وداخلها مثلما في داخل كل طائفة او مذهب منتفعون وساعون وراء المكاسب على تنوعها. هؤلاء احتشدوا باكثريتهم الساحقة وراء "المستقبل" اما لانهم ضد النظام السوري لاسباب معروفة لا داعي الى ذكرها، واما لانهم ضد سيطرة فريق لبناني اخر بمساعدة سوريا على الحكم والسلطة في لبنان، واما لانهم مع استعادة وضع سني رفيع في البلاد الى اخر ما هناك من اسباب.

لكن الاحتشاد لم يوحدهم ولم يصهرهم. وطبيعي في حال كهذه ان تبرز كل الانتماءات المذكورة عند حصول تطورات معينة تمس اصحابها ومعتقداتهم سواء في لبنان او خارجه. وطبيعي ايضا ان يوظف من لا مصلحة له بـ"لبنان الجديد" الذي لا يعرف اللبنانيون بعد ماهيته كل هذه الانتماءات المتنوعة واحيانا المتناقضة بغية الابقاء على لبنان القديم بخلفياته المحلية والاقليمية المعروفة، هذا الامر كان يجب ان يعرفه زعيم "المستقبل" سعد الحريري ونواب "المستقبل" وكوادر "المستقبل". وكان عليهم ان يبادروا فور انتهاء الانتخابات الى تحصين تيارهم وجعله عصيا على التصدع او على حالات الاستغلال من اي فريق محلي او اقليمي وان ادى ذلك الى خسارة جهات عدة مع اصواتها. وهذا الامر لم يحصل، بل نام الذين لم يقوموا به على امجاد 14 شباط و14 اذار وعلى الاقتناع بان السنة كلهم معهم.

طبعا، قد يقول البعض ان الظروف والتطورات الخطيرة المتلاحقة في البلاد لم تسمح بذلك ومعها غياب زعيم "التيار" في الخارج بسبب الاستهداف المباشر والدائم له، وهذا قول فيه الكثير من الصحة. لكن ماذا يفعل قادة التيار المقيمون في لبنان؟ ولماذا لم يعملوا لتأطير المؤيدين لهم ولاستمرار التواصل معهم ولتوجيههم. في اي حال ليست هذه دعوة الى تحويل "تيار المستقبل" حزبا علما ان هذه الفكرة قد لا تكون "عاطلة" بل الى جعله تيارا سياسيا متفقا على مبادىء عامة وقادراً فعلا على عبور الطوائف والمذاهب. وهذه الفكرة موجهة ايضا الى "التيار الوطني الحر" رغم انه ظهر اكثر تماسكا على الصعيد الشعبي من "المستقبل" واكثر انسجاما مع زعامته، مع الاشارة الى ان "حزب الله" وحركة "امل" ومن يمثلان نجحا في هذا الامر من زمان.