حياة الحويك عطية (الدستور)

انقلاب سياسي، بداية لمرحلة تأسيسية جديدة، لا فرق فالمصطلحان يلتقيان في نهاية المطاف، لان اللقاء الذي نضج بين التيار الوطني الحر وحزب الله في لبنان، لا يمثل فقط انقلابا على التوزيعة الطائفية التقليدية التي قام عليها لبنان، بل يتعدى ذلك الى التأسيس لمرحلة جديدة في مفهوم الدولة في هذا البلد الذي اريد له ان يكون دولة، ولكن على شكل شركة مساهمة للطوائف والاقطاعيات، اوقعت اللبنانيين في شيزوفرينيا رهيبة.

فبينما تنظم حياتهم السياسية وفق هذه الصيغة التي تجاوزها العصر، تنتظم حياتهم الاجتماعية وفق الصيغة الاكثر عصرية في العالم العربي وربما في الشرق الاوسط كله، لتنتقل الشيزوفرينيا ايضا الى الصعيد الاقتصادي، فاذا هو اغراق في فوضى رهيبة وفساد قل نظيره حتى في دول العالم الثالث من جهة، وحيوية استثمارية وتجارية نادرة من جهة اخرى. واذا كانت الصيغة الطائفية قد تحولت من مفهوم عرفي بدأ منذ مرحلة الامتيازات الاجنبية وترسخ مع قيام الدولة في الاربعينات، فانها قد تمأسست وشرعنت في اتفاق الطائف الذي وضع حدا للحرب الاهلية كما لحلم العلمانيين في صيغة تقوم على المواطنة لا على المحاصصة الطائفية.

ومع بداية المرحلة التي اطلقها اغتيال الحريري- كما اطلق اغتيال الارشيدوق فرديناند الحرب العالمية الاولى - خرجت المواكب الطائفية لتفرض نفسها كتوصيف وحيد للكتل، ولمكونات الدولة، ولتعيد الصيغة التاريخية التي قامت على تحالف السنة والموارنة لحكم لبنان، صيغة حاول وليد جنبلاط ان يخترقها منذ اللحظة الاولى لحصول التفجير التاريخي الذي طال ممثل السنة على رأس السلطة التنفيذية (ولو سابقا). حاول جنبلاط وما يزال تلقف الكرة، برفع سقف العداء لسوريا اولا، وبمحاولة التقرب من حزب الله مرة وشتمه مرة اخرى، وكل ذلك في ظل التمسح بذيل المشروع الاميركي الصهيوني.

وبدفع حلم محموم مجنون بدولة درزية تمتد من فلسطين الى لبنان مرورا بسوريا، حلم يحتاج لتحقيقه ارساء واقع الدول الطائفية في المنطقة كلها. من هنا كان لقاء الاحد انقلابا، فهو تحالف ماروني - شيعي هذه المرة، لكنه لا يقدم نفسه كذلك، اذ ان التيار الوطني الحر هو الاقل طائفية في الكتل اللبنانية التقليدية، وهو تحالف بين طرفين، احدهما كان حتى الامس العدو الاشد لسوريا، واخر هو الحليف الاستراتيجي لها.

واذا عدنا الى الوراء قليلا، وجدنا نتيجة لذلك ان احدهما كان مدعوما من صدام حسين، في حين كان الاخر وما زال حليفا لايران. وهو لقاء بين زعيم هو قائد مقاومة تملك هيكلا عسكريا (ميليشياويا) ربما يكون اقوى من الجيش، وبين زعيم جاء للسياسة عن طريق الجيش الذي كان قائده. من جهة اخرى هو لقاء بين القوتين اللتين لا يدخلهما احد ضمن دائرة تهم الفساد التي ضج منها المواطن اللبناني ايا يكن انتماؤه.

واخيرا لا اخرا، هو اللقاء بين القوتين الشعبيتين الرئيسيتين على الارض، بحيث تشكل قوتهما الشعبية معا اكثر من نصف اللبنانيين، خاصة انهما قد تركا الباب مفتوحا لانضمام اية قوة اخرى توافق على برنامجهما التوافقي، مما يسمح بالتحاق الاحزاب القومية من مثل القوميين السوريين والبعثيين والناصريين والقوميين العرب، كما بالتحاق قوى اخرى من مثل سليمان فرنجية في الشمال وحركة امل في الجنوب، وبينهما اخرون كطلال ارسلان وجماعة شيخ العقل، الذين يعلنون معارضتهم لسياسات وليد جنبلاط.

سياق مهدت له تحالفات الانتخابات البرلمانية الاخيرة، تكهنات تبقى كلها سابقة لاوانها لان نضوجها يحتاج الى طويل وقت والى طول اناة في ظل الواقع اللبناني والاقليمي المعقد، ولكن ايا يكون مآل تشكلها فان هذا التشكل لن يكون الا الحضن الذي يحيط بالمعركة الرئاسية القادمة، والتي لم يغفل البيان الاشارة الى تبني العماد ميشال عون لخوضها. فهل يكون ما جاء في البيان الصادر عن لقاء الاحد هو برنامج المرشح الرئاسي؟