لا احد يستطيع ان يشكك في لبنانية "حزب الله" والفريق الشعبي الكبير الذي يمثل وهو الذي دفع دما زكيا لتحرير اجزاء غالية من لبنان من احتلال اسرائيلي غاشم دام نحو اثنتين وعشرين سنة، رغم وجود بعض الاختلاف في مفهوم اللبنانية بينه وبين اطراف لبنانيين آخرين سواء كانوا بمثل اهميته الشعبية والسياسية وليس العسكرية طبعا ام لم يكونوا. كذلك لا احد يستطيع ان يشكك في علاقته الجيدة بسوريا او بالاحرى في تحالفه معها، سواء عندما كانت رسميا في لبنان عبر جيشها واجهزة مخابراتها وعبر حلفائها اللبنانيين، او بعدما خرجت منه في 26 نيسان الماضي نتيجة ضغطين غير مسبوقين عليها. الاول، مارسته غالبية الشعب اللبناني. والثاني، مارسه المجتمع الدولي عبر مجلس الامن وقراراته وفي مقدمها القرار الذي يحمل الرقم 1559.

ولا احد يستطيع ان يشكك ايضا في لبنانية "التيار الوطني الحر" بل في لبنانية مؤسسه وزعيمه العماد ميشال عون، باعتبار ان الحركات والتيارات والاحزاب في العالم الثالث تختصر عادة بالمؤسسين من زعمائها رغم وجود استثناءات محدودة مثل "حزب الله". علما ان الاستثناء يثبت القاعدة ولا ينقضها. فهو الذي تابع معركة "تحرير لبنان" من "الاحتلال السوري" كما كان يسميه بعد توافق اللبنانيين عبر نوابهم الممددين لانفسهم على مدى عقدين على وقف الحرب وعلى ميثاق وطني جديد وعلى دور سوريا في رعاية مسيرة السلم الاهلي واعادة البناء والإعمار على كل صعيد.

انطلاقا من ذلك فان احدا لا يستطيع ان يشكك في ان التعاون الرسمي الذي بدأ يوم الاثنين الماضي بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" قد عزز بقوة الفريق اللبناني الحليف لسوريا او الداعي الى التعاون والتنسيق معها، او الشاعر بالوفاء لها نتيجة ما قدمته للمقاومة بغية النجاح في إنهاء الاحتلال الاسرائيلي. وكان هذا الفريق قويا اساسا نظرا الى قوة "حزب الله" وحليفته حركة "امل" داخل الطائفة التي يمثلان. لكن قوته كانت سلبية اي قادرة على الاعتراض ورد الفعل وليس على الفعل، رغم انه كان يضم في صفوفه حلفاء من طوائف اخرى مسيحية واسلامية ومن حركات سياسية. ذلك ان هؤلاء الحلفاء كانوا انفسهم في حاجة الى حماية او الى غطاء. لكن هذا الفريق صار اكثر قوة وانتقل الى المبادرة بعد "التعاون" الرسمي الذي بدأ بين الركن الاساسي فيه اي "حزب الله"، والركن المسيحي الاساسي في تحالف 14 آذار اي "التيار الوطني الحر". ولا يفيد انكار الاضافة المهمة لقوة الفريق الحليف لسوريا التي قدمها هذا التيار عبر القول ان ما حصل منه في مقابل هذه الاضافة على مواقف والتزامات عدة تمكن لبنان من تثبيت استقلاله وسيادته مثل ترسيم الحدود اللبنانية – السورية واقامة علاقات ديبلوماسية بين لبنان وسوريا.

ذلك انه قدم بدوره في مقابل ذلك قبولا لموقف "حزب الله" و"امل" وسائر حلفاء سوريا وسوريا من سلاح المقاومة، وقبل مقولة ان سوريا اعترفت بلبنانية مزارع شبعا التي بقي على لبنان ان يثبتها رغم عدم اقتناع معظم اللبنانيين بذلك ومعهم المجتمع الدولي.

طبعا، لا يرمي هذا الكلام الى التصنيف، اي الى القول ان "الجنرال" عون وتياره صارا "سوريين" كما يحلو لكثيرين ان يقولوا، والى القول ان "حزب الله" غير لبناني. فالمواقف اللبنانية لكل منهما من هذا الموضوع معروفة وواضحة. وكذلك النيات. لكن الممارسات احيانا قد تختلف بتطور الظروف والطموحات، رغم ثبات النيات والمواقف المعلنة. بل يرمي الى الاشارة الى ان لبنان صار منقسما اليوم خطين سياسيين واضحين متنافسين، بل متصارعين، يمثل الاول حلفاء سوريا رغم ثبوت لبنانيتهم، والثاني تحالف 14 آذار بعد خروج العماد عون منه رغم ثبوت حرصهم على علاقة سليمة وقوية مع سوريا. ويرمي الى الاشارة ايضا الى ان الخط الاول يبدو في صعود الآن، والى ان الخط الثاني يسير نحو الهبوط نتيجة غياب التنسيق والخطط العملانية والرؤية الواضحة، وربما نتيجة الضغوط الكثيرة التي تمارس على السائرين فيه. ويرمي الى الاشارة ثالثا الى صراع محموم ومكشوف دائم بينهما لا يمكن التكهن بنتائجه منذ الآن.

كيف ستكون نتيجة هذا الصراع؟

لا يزال الصراع في بدايته. لذلك لا يمكن التكهن بنتيجته. لكن ما يمكن قوله في هذا المجال هو ان هذه النتيجة لن تكون الا انعكاسا لنتيجة الصراع الحاد والصعب القائم في المنطقة، وخصوصا على الساحة اللبنانية بين المجتمع الدولي بقيادة اميركا والاتحاد الاوروبي، ومحور سوريا والجمهورية الاسلامية الايرانية ولاسيما بعدما صار الفريقان اللبنانيان الاساسيان المتصارعان ممثلين لهذين المحورين في هذا الصراع وربما اداة له، علما ان ذلك يجب الا يحجب عن الناس حقائق اساسية ان تيار عون لم يخرج نهائيا عن المجتمع الدولي وربما يمارس "نفوذه" فيه لترتيب الامور بين سوريا وهذا المجتمع، ومنها ايضا ان الاساسيين في تحالف 14 اذار ليسوا مجرد عسكر عند المجتمع الدولي جاهزين لضرب اشقائهم في الوطن او في القومية.

فاذا انتهى الصراع الاقليمي – الدولي المذكور اعلاه الى تفاهم بين دمشق وواشنطن على عدد من الامور ، فان الفريق اللبناني الحليف لسوريا وخصوصا بعدما تعزز مسيحيا سيقوى وستكون له كلمته اللبنانية المسموعة، علما ان ذلك لن يعيد سوريا الى لبنان على الاقل كما كانت. اما اذا انتهى الى فشل فان المواجهة ستكبر وستعود بعض القوة الى تحالف 14 آذار المتراجع. طبعا، لا بد هنا من لفت المتصارعين الى امر مهم هو ضرورة سعي الفريقين الى عدم التحول ادوات مئة في المئة، لان من شأن ذلك، في حال الوصول الى تفاهم او الفشل في ذلك، الانعكاس سلبا على الداخل نظرا الى وضوح الانقسامات الشعبية (الطائفية والمذهبية) والى التكافؤ في العدد بين طرفي الصراع وخصوصا بعد الموقف الاخير لـ"التيار الوطني الحر".

واوضح مثل على ذلك يمكن اخذه من الحرب اللبنانية رغم اختلاف ظروف اليوم عن ظروفها، وهو سقوط الاتفاق الثلاثي مطلع عام 1986 رغم ان موقعيه كانوا الميليشيات العسكرية الثلاث الاقوى في لبنان. فهذا الاتفاق لم يسقط لان شخصيات لبنانية متنوعة رسمية وسياسية وميليشياوية قامت ضده و"حاربت" ضده ولانه تضمن عللا كثيرة، بل لان الظرف الدولي لم يكن ناضجا لانهاء الحرب في لبنان بقرار فردي من سوريا ولحسم الاوضاع فيه لمصلحتها.