شكل 14 شباط 2005 زلزالا توحيديا للبنانيين ورافعة أساسية لاستعادة السيادة والاستقلال بعد نحو ثلاثين سنة من الوصاية السورية على السلطة والقرار ومقدرات الكيان اللبناني. إلا أن ما حدث في 5 شباط 2006، أي ما عرف قبل ايام ب<<الأحد الأسود>> كاد ان يتحول الى <<زلزال تقسيمي>> بأبشع اشكاله واضعا البلد على شفير فتنة طائفية مذهبية من شأنها ان تطيح بأحلام اللبنانيين التي تجسدت في <<انتفاضة الاستقلال>>، يوم 14 آذار التاريخي، وتشوه معنى ومفاعيل شهادة رجل بحجم رفيق الحريري وتحولها الى فريسة للغرائز والعصبيات وحسابات المصالح.

لا شك أن فكرة التظاهرة حيث جرت كانت بالأساس خاطئة، وإذا كان حق التظاهر هدفه الاحتجاج أو التعبير عن موقف ما فكان من الممكن ان يحصل في أي ساحة من ساحات العاصمة. وكذلك، استطراداً كان على الحكومة، في ظل المناخ السائد، ان لا تسمح للتظاهرة في الأشرفية لأن لا أحد محصناً ضد الغرائز.

ولكن، مهما قيل ويمكن ان يقال عن ظروف واعتبارات وخلفيات وما يطرح من <<أسباب تخفيفية>> لما حصل، فإن كل ذلك لا يمكن ان يحجب او حتى يبرر سوء أداء <<قوى 14 آذار>>، التي يبدو انها تعيش حالة شلل وضياع يعكس نفسه على الحكومة رغم المصداقية والحكمة والحنكة التي يتمتع بها رئيسها فؤاد السنيورة. كما أنها تفتقد الى المبادرة وتتعاطى بردة الفعل، لا تملك تصوراً مستقبلياً ولا حتى برنامجاً أو تعاطياً ذكياً مع الراهن.

ويتخوف أحد أقطاب <<قوى 14 آذار>> من أن أداءها في المرحلة الأخيرة بدأ يأكل من مخزونها ورصيدها السياسي والشعبي الكبير الذي ثبت دعائمه أكثر من مليون لبناني.

فهي تتصرف في كثير من الأحيان وكأنها لا تزال في المعارضة... فهل يعقل ان تستمر في المطالبة باستقالة رئيس الجمهورية من دون ان تتمكن من ايجاد اتفاق أو صيغة ما لإجباره على الرحيل. لماذا لا تستعمل حقها ودورها كأغلبية وتضع الآخرين أمام مسؤولياتهم؟ وهل يعقل مثلا في مجال آخر له علاقة بالمال العام والإصلاح والفساد ان يتم التعامل مع <<تعويض>> نقولا فتوش عن <<ملكيته>> للحجارة والطبيعة اللبنانية بالطريقة التي تم التعامل بها؟ وأين التحقيق المالي في بنك المدينة؟ وغيرها وغيرها من الأمور... وهكذا تصبح مواقف وليد جنبلاط <<صوتاً صارخاً في البرية>>! في ظل هذه الأجواء، وعلى خلفية ما حصل الأحد الماضي، تميزت <<صورة>> لقاء ميشال عون وحسن نصرالله في كنيسة مارمخايل (الشياح) برمزية قوية وعكست أكثر من مدلول ايجابي لسعي طرفين سياسيين أساسيين (شيعي وماروني) للتلاقي خارج الاصطفاف أو التجاذب الطائفي. وتشكل <<ورقة التفاهم>> التي توصل اليها الطرفان خطوة هامة على طريق اقامة تعاون على أساس خيارات سياسية محددة تفرض على الآخرين إعادة النظر في حساباتهم.

لذلك، ومن هذا المنطلق تصبح مناقشة <<ورقة التفاهم>> مسألة في صلب الواقع السياسي الراهن. فيرى القطب السياسي نفسه انها من جهة تطرح نقاطا أساسية مبدئية، بعضها جاء عاما ولا نظن أن أحدا يختلف حولها، والبعض الآخر يشكل مادة للسجال وحتى الاختلاف. وتنطلق الورقة في بندها الاول من الحوار وشروطه كنقطة مفصلية تعتبرها <<السبيل الوحيد لإيجاد حل للازمات>>، وهذا لا نعتقد ان أحدا من حيث المبدأ لا يتبناه.

وتنناول النقطة الثانية مسألة <<الديموقراطية التوافقية>> التي تعتبرها الورقة <<القاعدة الأساس للحكم في لبنان>>، الحكم القائم طبعا على أساس التوازن والتقاسم بين الطوائف ولا نعتقد ان هذا موضع توافق اللبنانيين الطامحين الى التغيير. وتربط النقطة <<أي مقاربة للمسائل الوطنية وفق معادلة الأكثرية والأقلية بتحقق الشروط التاريخية والاجتماعية للممارسة الديموقراطية الفعلية التي يصبح فيها المواطن قيمة بحد ذاته>>. أي، أنها تقر من جهة ان الديموقراطية الحقيقية أساسها أكثرية وأقلية إلا انها لا تعلن سعيها لتوفر الشروط التاريخية، والى حينه لا يشكل المواطن قيمة بذاته. عدا ان ذلك يخلق اشكالا جديا على صعيد فعالية الحكم وحق السلطة التنفيذية في تسيير عجلة البلاد.

ويطرح البند الثالث قانون انتخاب عصري <<قد>> تكون النسبية أحد اشكاله، كمنطلق لإصلاح وانتظام الحياة السياسية. وفي معرض الأمور الآيلة الى تحقيق ذلك طرحت مسألة تفعيل الأحزاب وتطويرها وصولا الى قيام المجتمع المدني. وهنا يلاحظ أحد المعنيين بوضع قانون انتخاب جديد ان الأحزاب تبقى بمعظمها طائفية في تركيبتها وتوجهاتها (ومن ضمنها طبعا <<حزب الله>>)، ومن هو غير طائفي يعيش أزمة عميقة شبه وجودية تطال البرامج والتركيبة. واللافت للانتباه هو الكلام عن <<قيام مجتمع مدني>>، ما يشكل تبنيه من قبل <<حزب الله>> مفاجأة سارة. فاذا كان يقصد ذلك فعلا فيعني انه قرر سلخ جلده والتنكر لعقيدته الدينية وتركيبته. فهل يشكل هذا <<بيعة>> ل<<التيار الوطني>> أم أنها مجرد <<انزلاق لغوي>>؟ أما البند الرابع الذي يتكلم عن ضرورة بناء الدولة وكل ما يطرح من شروط ومفاهيم لقيامها يقول به أكثر من طرف ويمكن ان يتبناه الجميع. لذلك، ان ما ينقصه فعليا هو الآلية والضوابط و... السلطة التي يقع على عاتقها فتح الملفات من اصلاح وقضاء مستقل ومحاربة فساد.

وفي ما يتعلق بمسألة اللبنانيين في اسرائيل (والى حد ما مسألة المعتقلين في السجون السورية)، فتبدو النقطة الأساسية وشبه الوحيدة التي <<أعطاها>> نصرالله الى عون من زاوية تعزيز <<رصيده المسيحي>>، وخصوصا انه تحاشى تسميتهم بالعملاء.

إلا أن النقطة الجوهرية تكمن في باب العلاقات اللبنانية السورية (البند الثامن)، التي تم التعاطي معها برأي محدثنا وكأن سوريا لم تتدخل في لبنان ولم تمارس وصايتها العسكرية والسياسية والأمنية و... طيلة ثلاثة عقود. فهي تتكلم فقط عن <<مراجعة تجربة واستخلاص عبر ودروس وتلافي أخطاء وشوائب...>>. والمسألة الثانية في هذا الباب هي مزارع شبعا التي تطالب الورقة الحكومة اللبنانية (لا السورية) <<تثبيت لبنانيتها بعد ان أعلنت سوريا لبنانيتها>>. كذلك، الكلام عن ترسيم الحدود بدون أي تحديد. أي، ان <<التيار الوطني الحر>> يتبنى عمليا، موقف <<حزب الله>> والموقف السوري من المسألتين. كما ان اللافت ايضا ان الكلام عن ترسيم الحدود وعن مصير المعتقلين في سوريا يشترط الابتعاد عن التوتر والاستفزاز (!). علما ان المسألتين تقع مسؤوليتهما على النظام السوري بالتحديد.

إلا أن المتفحص للنقاط العشر يتفاجأ بعدم وجود اي ذكر ل<<اتفاق الطائف>>، الذي شكل أساسا لوقف الاقتتال وأرضية واطارا للدستور الحالي. فهل انه تغييب مقصود أم انه <<سقط سهوا>>؟ أما في القراءة <<السياسية>> فيبدو واضحا ان <<حزب الله>> أخذ أكثر مما أعطى. ويلفت أحد السياسيين المسيحيين المعنيين الى الغياب الكامل للقرار 1559 وترك مسألة السلاح الى ما بعد تحرير شبعا وإطلاق الأسرى، وكذلك البند الخلافي حول مسألة حماية لبنان من الأخطار الاسرائيلية. ويربط هذا الموقف بالعمق الاقليمي الذي يرتكز عليه <<حزب الله>> والذي ليس بإمكان <<التيار العوني>> ان يتغاضى عنه، ولأن التجاذب المحلي هو موضوعيا مرتبط بالتجاذب السوري الايراني من جهة، والاميركي الاوروبي من جهة أخرى.

وإذا كان <<حزب الله>> قد نجح في إزالة تهمة عرقلة قيام الدولة عنه فإن عون يكون أبعد نفسه عن رئاسة الجمهورية، ليستنتج ان العماد ربما قد فقد اي أمل بدعم اميركي وفرنسي لدخوله الى بعبدا... الأرجح ان هدف الطرفين هو فرض شروطهما على مفاوضات الطاولة المستديرة. فلننتظر لنرى