لقاء السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون ضربة سياسية عرف صاحباها كيف يطبخانها ويعطيانها مفعول الصدمة، على رغم أنها كانت متوقعة لدى الأوساط السياسية اللبنانية، خصوصاً عشية الانتخابات الفرعية في عاليه - بعبدا. ولا شك أنها كانت «ضربة معلم» أن يعقد اللقاء غداة المخاوف التي أحدثتها تظاهرة الأحد في منطقة التباريس، ولعل الرجلين يستحقان كل الشكر على خطوة ساهمت في إبعاد شبح فتنة كامنة لا تنتظر سوى الشرارة.

لا يمكن القول إن «التيار الوطني الحر» و «حزب الله» دخلا في تحالف، ولا مانع بل لا بأس في أن يكونا توصلا الى تفاهم. لكن يصعب الاعتقاد بأن أنصارهما اقتنعوا وفهموا وباركوا، وإنما هم مثل اللبنانيين الآخرين يريدون أن يراقبوا ليعرفوا ماذا يعني هذا اللقاء الذي اختيرت له كنيسة مار مخايل لمضاعفة رمزيته، إلا أن الرموز وحدها لا تصنع تغييراً حقيقياً على أرض الواقع.

لا يعتبر أنصار العماد عون من المحبذين المتعاطفين المتحمسين لـ «حزب الله» ولا لزعيمه، وإذا كان بينهم من يحترم السيد نصرالله والحزب ويقدر الدور العظيم للمقاومة في تحرير جنوب لبنان، فإن الغالبية عاشت وتعيش في مناخ نفسي وسياسي آخر خلال معاناتها طوال الفترة الممتدة بين 1990 و2005. لم يكن هناك عداء بين التيار العوني وتيار «حزب الله»، ولم يكن هناك توادد، والأهم ان الطرفين لم يعتبرا يوماً ان بينهما امكاناً للقاء على اسس استراتيجية. ومن الجانب الآخر، لم يكن أنصار «حزب الله» معجبين بتظاهرات العونيين ضد الوجود السوري قبل الانسحاب وقبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كما لم ينسوا ان العونيين كانوا عصب «انتفاضة الاستقلال» أو «انتفاضة 14 آذار» في مقابل «انتفاضة 8 آذار» التي لم يعتبرها أصحابها في أي يوم انتفاضة من أجل الاستقلال ولا من أجل السيادة، وانما بدت تظاهرة للمتضررين من الانسحاب السوري التي كان يومها قد اقترب.

سيكون بالغ الأهمية والإثارة ان نرى محازبي الطرفين يتظاهرون جنباً الى جنب في اي مناسبة مقبلة، ربما تكون ضد الحكومة، أو ضد الضغوط الدولية التي تتعرض لها ايران أو سورية. وإذا حصل ذلك فإنه سيمثل ليس انقلاباً فحسب بل احدى أهم معجزات «التجربة اللبنانية» المشهورة، ولِمَ لا فكل شيء متاح وممكن إذا تم على قاعدة مشروع وطني. لكن هل «الوثيقة المشتركة» تؤسس لمثل هذا المشروع، أمر مشكوك فيه، خصوصاً ان «حزب الله» موجود في حكومة تمثل الغالبية زائداً الكتلة الشيعية ولدى هذه الحكومة بيان بمثابة «وثيقة مشتركة» أهم لا تلزم الأطراف السياسية فحسب بل تلزم الدولة ومؤسساتها، ومع ذلك لم يستطع هذا الحزب أن يدخل تماماً في نسيج المشروع الحكومي الذي يفترض أنه مشروع وطني. لذلك راح يبحث عن حلفاء لـ «مشروعه» الآخر، ووجد في العماد عون ضالته.

هنيئاً لـ «الحليفين» الجديدين، ولا شك أنهما يدركان ان لقاءهما موضوع في الاختبار ليعرف اللبنانيون الى أي حد يخدم البلد أم أنه يهدف أساساً لتحقيق فقاعات مصلحية لهما. وعندما يلتقي طرفان على أهداف استراتيجية لا يستطيعان تحقيقها فلا بد ان يبنى لقاؤهما على مجرد تكتيكات. بمعنى أن العماد عون لا يقدر على ضمان سلاح «حزب الله»، ولا الحزب يقدر وحده أن يضمن لعون الرئاسة، أي أن عون لا يستطيع رمي القرار الدولي 1559 واعتبار أنه نفّذ داخلياً وفي المقابل لا يستطيع «حزب الله» ان يأتي وحده بـ «العلاقة السوية» مع سورية. أما اذا كان لقاؤهما مبرمجاً لمماحكات مع الطوائف والأطراف الأخرى فإنه سرعان ما سينكشف، وحتى الأمس القريب كان وليد جنبلاط حليفاً - بل رفيق سلاح - لـ «حزب الله» وها هو الآن في خصام حاد معه.

في أي حال بات على الغالبية الحكومية أن تراجع طريقة عملها ومسارات تحالفاتها. فلديها رئيس حكومة جيد وماهر لكنه يحتاج الى دعم سياسي أكثر فاعلية، حتى كأن هذه الغالبية تبدو بلا زعيم ولا مرجع، ويكاد معارضوها يفرضون عليها أجندتهم بما فيها من انتهازيات وتكاذبات.