غريبة اسكندينافيا: مجموعة دول واقعة في اقصى الشمال الاوروبي، في قلب الحياد الدولي، بعيدة عن حروب اوروبا القريبة او العالم البعيد، ومع ذلك، فهي دوما على علاقة ما، بهذا الجزء من العالم. تبعد عن الجميع وتقترب منا. تهرب من جميع النزاعات وترسل الينا الموفدين. من الكونت برنادوت الى تيري رود لارسن. من داغ هامرشولد الى غونار يارينغ. من الخوذ الزرق الى رجال السلام، الى الكوخ البارد والمعزول في اوسلو، حيث اجتمع الفلسطينيون والاسرائيليون، من دون ان يعاقبهم "ابو نضال" هذه المرة بالاغتيال. فلم تكن اوسلو سوى رافد من مدريد، حيث ذهب جميع العرب.

كنت منذ سنوات، اعد ثم اتراجع، مشروع كتاب عن الدور الاسكندينافي القدري في الشرق الاوسط. فهؤلاء قوم تركن الى حيادهم الامم. ومن اجل ان تعطي الامم المتحدة نفسها صفة الحياد وطابع النزاهة الدولية، انتخبت امينا عاما من احفاد "الفايكينغ". اولا تريغفي لي، ثم الاسوجي داغ هامرشولد، اشهر واهم امين عام في تاريخ المبنى الازرق. لكن هامرشولد، مثل الكونت برنادوت من قبل، أُتّهم بالانحياز الى العرب.

الاول في حرب فلسطين الاولى، والثاني في حرب السويس. واغتالت الهاغانا برنادوت، فيما قتل هامرشولد في ظروف شديدة الغموض في سقوط طائرة في الكونغو ايام كان الغرب يحاول التمسك بآخر مناجم النحاس وثروات "الاونيون مونيير".

وكانت مصر الناصرية، الخارجة يومها الى امتدادها الافريقي، اكثر من شعر بالحزن على هامرشولد، الاكاديمي الذي ابتلعته سياسة العالم في اخطر مراحل التغير. بعد 1967 عاد الاسوجيون الى الصراع العربي الاسرائيلي، هذه المرة عبر وساطة مباشرة. فقد كلفت الامم المتحدة، غونار يارينغ، سفير السويد (اسوج) في موسكو، ان يجول على اطراف النزاع ومعه اسئلة مكتوبة، وان يعود باجوبة مكتوبة كذلك ولم يعد احد يعرف ماذا حل بالاسئلة والاجوبة. وعام 1972 ذهبت الى موسكو لكي اغطي لـ"النهار" قمة ريتشارد نيكسون ليونيد بريجنيف.

لكن "الصيد" الذي خرجت به لم يكن في القمة، وانما في عشاء عند السفير الراحل نعيم اميوني. اذ فيما كان ضيوفه يتوافدون، ويتخالطون، سمعت السفير ينادي: هنا غونار! وتساءلت، هل يمكن ان يكون في هذا العالم اكثر من شخص يحمل هذا الاسم؟ طبعا لا. وبعدما قدمني السفير اميوني الى زميله، قلت له: "انا اعرف انك لا تحب الكلام الى الصحافيين؟". وقاطعني قائلا: "لا ادري من اطلق هذه الاشاعة. انا ألاحق الصحافيين". نشرت يومها اللقاء مع يارينغ في "الملحق". ورويت انه ترك السهرة باكرا، لارتباطه بموعد بريدج. ولكن قبل ان يذهب، قال لي في بساطة الاسكندينافيين، وكأننا نعرف بعضنا من عقود: "هل يزعجك ان توصل السيدة يارينغ الى المنزل بعد انتهاء السهرة؟ ان منزلنا في طريقك الى الفندق".

ظل يبهرني دور الاسكندينافيين في قضايانا. وكنت اعتقد انه من اجل ان يستطيع احد التدخل في هذا الصراع الحاد والمتعمق، يقتضي ان يكون الوسيط غامضا وبعيدا. لا هو اميركي، ولا هو ينتمي الى الدول التي لها ذكريات استعمارية في المنطقة، مثل بريطانيا وفرنسا. ولكن الاسكندينافيين انتقلوا من مرحلة الوسيط النزيه والمجرد الذي لا يذهب الى اكثر من مرحلة الوسيط المدبَّر، أي الساعي الى عقد اتفاق بين الطرفين. وكان هذا اخطر من ذهب اليه اي طرف في العالم خارج الدول الكبرى و"المحادثات الرباعية". اذ في ما عدا "كامب ديفيد" الذي رعته ودبرته اميركا وجيمي كارتر، لم تسع دولة او مجموعة دول الى تبني حوار، او تفاوض، بين الفلسطينيين والاسرائيليين. والفلسطينيون الذين كانوا قد غامروا، بتواطؤ من القيادة، بالتفاوض السريع مع الاسرائيليين، اغتيلوا في اوروبا وفي قلب مكاتب منظمة التحرير، في باريس ولندن.

كان الاعلان عما حدث في اوسلو من اتفاقات، مفاجأة مذهلة للجميع، حتى الاميركيون ادعوا انهم فوجئوا بالمسألة. ورغم الخلاف في الرؤية فقد كانت هناك واقعة تاريخية لا سابقة لها، وهي ان جزءا من الارض العربية قد استعيد، ليس هذه المرة بوساطة اميركية وموافقة سوفياتية ودعم اوروبي وتغافل صيني، وانما بوساطة ورعاية دولة صغيرة واقعة في قلب الشمال الاوروبي البارد، تدعى النروج.

ثمة دولة اسكندينافية صغيرة ظلت بعيدة في مراعيها الخضراء. تربي الابقار على انغام الموسيقى الهادئة، ثم ترسل لحومها معلبة الى العالم العربي، وفق "الذبح الحلال". ولم تشأ الدانمارك الانضمام الى المغامرة القدرية والمعقدة في الشرق الاوسط: مورتاديلا بقرية، وبايكون بقري، وزبدة غنم. ولا سياسة ولا لحم خنزير ولا نقانق الا النقانق الرومية من ديك الحبش.

وكانت كوبنهاغن مطمئنة الى هذا الابتعاد عن تيار التجارب والتصادم. ابعد عن الشر، لا يغني لك ولا تغني له. او العكس. ونجحت بلاد المراعي في تجاوز الامتحانات. ومضت تربي الابقار على انغام "الموزيك دو شامبر". ولكن رساما ارعن سوف يقحم الدانمارك المترددة، في القدر الاسكندينافي في الشرق الاوسط. لقد نسي الدانماركيون ان اقصى مسجد في اقصى الشمال يقع في اقصى اسكندينافيا: فنلندا. وصحيح ان فنلندا هي بلاد البابا نويل ووعله وعربته، لكنها ايضا ارسلت في القرن التاسع عشر الى الجزيرة العربية الرحالة الذي سيصبح الشيخ عبد الولي.

ولكن من اين كانت اول بعثة غربية الى الجزيرة، الى ارض الرسالة، الى جدة وجوار مكة، واليمن السعيد؟ من اين؟

شكرا، انك طرحت السؤال(1). لقد كانت اول بعثة غربية الى الجزيرة، ايها العزيز، عام 1762. وكانت من الدانمارك. وكان يقود الاشخاص الستة الدانماركي كارستن نيبور، الذي سيترك لمواطنيه، بالرسوم الاولى من نوعها في التاريخ، وبالوصف التعبيري، صورة واضحة عن تقاليد الاسلام.

بعد ثلاثة قرون يقوم رسام ارعن، لم يقرأ اشهر كتاب رحلات في تاريخ بلاده، بارتكاب لا سابقة له. وبدل ان تقرأ حكومة الدانمارك التاريخ، تقرر ان تتفرج على الرسوم. وبدل ان تطلب مشورة العارفين والحكماء، خيّل اليها انه مسألة عابرة لن تعيش طويلا. ولست ادري ايهما الاكثر حماقة، الحكومة التي اصرت على قراءة قانونها المحلي بدل قراءة العرف الدولي، ام الرسام الذي لا يقرأ شيئا.

بعد قضية سلمان رشدي صادف انني كنت في القاهرة. وقال لي الزميل الكبير الراحل احمد بهاء الدين انه مدعو الى عشاء عند احدى عائلات مصر القديمة (آل جندي) واني مدعو معه. وكان بين المدعوين سفير بريطانيا. وامضينا السهرة وانا اشاهد السفير ينتقل من حلقة الى اخرى، وهو يسأل الذين يعرفهم والذين لا يعرفهم سؤالا واحدا: كيف لنا ان نخرج من هذا المأزق؟ وكان سلمان رشدي هنديا ومسلما، وليس دانماركيا وغبيا. ومع ذلك كانت بريطانيا تسأل، حتى الساهرين الذين لا تعرفهم، كيف الخروج من تلك الورطة؟

لقد تأخرت الحكومة الدانماركية كثيرا، ولاعتبارات واهية ولا علاقة لها بمصالح الشعوب وكرامة الامم، في احتواء فضيحة الرسوم. وكانت النتيجة انها قصّرت الطريق الى صراع الحضارات في العالم. واسوأ ما حدث من غبائها، انها ايضا فتحت الطريق امام الهمج الذين قرروا ان يعاقبوا رساما دانماركيا تعدى على رمز الرسول الكريم، بأن يتعدوا بكل جهل وكفر، على سورة مريم وسورة آل عمران وعلى التنزيل في اشرق آياته التي هي "ام الكتاب".

طبعا اولئك الرعاع ليسوا من الاسلام في شيء. ولو كانوا لما ابتغوا الفتنة. فروح الاسلام انه "ولا تزر وازرة وزر اخرى"، وليس ان يعاقب رسام عربيد في الدانمارك باحراق بيروت من اجل اشعال لبنان. ولكن لم يعد من السهل اشعال لبنان. ليس واهل الفتوى فيه رجال مثل محمد حسين فضل الله وشجعان مثله في وجه الدهماء.

قبل خمسة قرون قال شكسبير: ثمة شيء عفن في دولة الدانمارك. وثمة ما هو اعفن في سواها.