نصر شمالي

دأب الأوروبيون والأميركيون والإسرائيليون على تصوير الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة بصورة الواحة الديمقراطية الحضارية، المطوّقة بالفلسطينيين والعرب المتخلفين تخلّفاً أصلياً لا براء منه، والذين يريدون تدميرها بدافع من همجيتهم، الأمر الذي استدعى دائماً تمكينها من تدميرهم كواجب يقتضيه الشرف وتقتضيه الحكمة على حدّ قول الصهيوني البريطاني الأعظم ونستون تشرشل! غير أن الأزمات النوعية التاريخية التي تعصف بأسس النظام الاحتكاري الصهيوني العالمي أنتجت ظروفاً بالغة التعقيد، في العالم عموماً وفي المنطقة العربية خصوصاً، فأتاحت هذه الظروف فرصة نادرة للفلسطينيين، مكنتهم اليوم من خوض تجربة انتخابات نيابية ديمقراطية نموذجية حقاً، تجربة جدّية نظيفة، خاضها شعب باسل تحمّل من الأهوال ما لا يطاق دون أن يتخلى عن ثوابته وسلاحه، فجاءت النتائج في صالح التجربة الفلسطينية إذا ما قورنت بأية انتخابات ديمقراطية، حتى في البلدان الأكثر تقدماً، وقد انعكست هذه النتائج حالة من السعار والهذيان في العواصم الديمقراطية العريقة، لأن الظالمين هناك لا يريدون للآخرين ديمقراطية حقيقية تبرهن عن جدارتهم الإنسانية، وإلا فكيف يبرّرون جرائمهم من أجل الاستئثار بأكثر من أربعة أخماس الإنتاج والاستهلاك العالمي! السيطرة المركزية الأوروبية/ الأميركية بديهي أن الظالم يحتاج إلى قدر من التوازن كي يمارس ظلمه، ولذلك هو يعمل طوال الوقت على تجريد ضحاياه من خصائصهم الإنسانية، وعلى إظهارهم أشبه بالوحوش غير القابلة للترويض، فاضطهاد الفلسطينيين وقتلهم يقتضي إظهارهم أوغاداً جهلة غير قابلين للشراكة أو التفاهم ولصوصاً قتلة غير مؤهلين للإصلاح، وعندئذ تغدو عمليات المطاردة الحامية الإبادية، التي شنّها الإسرائيليون ضدّهم بالاتفاق مع الأميركيين، مبرّرة ومشروعة كما لو أنها عمليات صيد تطارد وحوشاً كاسرة في غابة مظلمة، فهي لا تستدعي أي قدر من قلق الضمير!

إن التعبئة الرهيبة على أوسع نطاق، من أجل طمس الخصائص الإنسانية للضحايا، هي عملية قديمة متواصلة منذ قرون وحتى يومنا هذا، فبالأمس القريب كانت موجهة بقوة ضدّ الدول الاشتراكية وحركات التحرر، وهي اليوم موجهة بالدرجة الأولى ضدّ المقاومة العربية والإسلامية، ومثل هذه التعبئة تبدأ عادة بخطابات الرؤساء الأميركيين، ثم تنتقل إلى مختلف أجهزة الدعاية والإعلام وأجهزة الحروب النفسية والذهنية، لتصل إلى الروايات السينمائية والتلفزيونية الهوليوودية، بما فيها الرسوم المتحركة الموجهة إلى أطفال العالم! وينبغي الاعتراف بأن هذه الحملات التعبوية، التي عملت على إظهار الروس والصينيين والألمان واليابانيين والعرب والمسلمين بمظهر الوحوش الخبيثة الكاسرة، قد حققت كثيراً من النجاح في مختلف المراحل، وأن ذلك تحقق في بعض البلدان بمساعدات لا تقدّر بثمن وفّرها للظالمين بعض أبناء ضحاياهم، غير أن العامل الحاسم في النجاح يعود إلى الأسس التي نهض عليها هذا النظام الاحتكاري الصهيوني العالمي قبل خمسة قرون، وهي الأسس التي مكنته من السيطرة شبه التامة على السوق الدولية بشقيها الإنتاجي والاستهلاكي، إضافة إلى سيطرته المركزية في ميادين العلوم والثقافة والسياسة، وإلى عدم تردّده في الإقدام على ارتكاب أبشع وأضخم الجرائم من أجل الاحتفاظ بهذه السيطرة!

جدران العزل القديمة والحديثة منذ البدايات، في أواسط الألف الميلادية الثانية، تعامل المستعمرون الأوروبيون مع الأمم الأخرى في القارات الأخرى باعتبارها كائنات أدنى تستحق الاستعباد ولا ضير في إبادة من تقتضي المصالح الاستعمارية إبادته منها، فكانوا يعزلونها ويعتزلونها بإقامة الحواجز المادية والمعنوية بينهم وبينها، مثل جدار شارون الحديث، ففي الهند، ومنذ القرن السابع عشر، أنشأ الإنكليز في كل مدينة هندية حياً نائياً منعزلاً تماماً، لا يغادرونه إلى المدينة الهندية إلا عند الضرورة القصوى، فكان الفصل بينهم وبين أهل الهند في كل مكان، وأصبح مفهوماً أن الهنود، بما فيهم الأثرياء، محرّم عليهم ارتياد الأماكن الخاصة بالإنكليز، وفي زمن القطار كان محرّماً عليهم السفر في قاطرات الدرجة الأولى، إنما من دون وضع نظام يحرّم ذلك، فإذا جازف هندي، مهما كانت مكانته وكان ثراؤه، وركب قاطرة من الدرجة الأولى، يعامل من قبل الإنكليز بطريقة ترغمه على النزول في أقرب محطة، وكان الضباط الإنكليز يتصرفون بشراسة في حالة كهذه تجاه أي هندي مهما كان مقامه، حيث من حق أبناء الهند تولّي أعلى المناصب في الدولة، غير أن صلتهم بالإنكليز تبقى محصورة بالقضايا الرسمية، فبقيت أبواب المجتمع الإنكليزي في الهند موصدة دونهم بإحكام، وهكذا مع مرور الزمن صار الموظف الهندوسي المثقف نذلاً أمام سادته الإنكليز، وظالماً عاتياً تجاه بني قومه، وهو ما نرى مثيلاً له في وقتنا الحاضر! وعندما تأسس حزب المحافظين البريطاني في مطلع القرن الثامن عشر كان تأسيسه مؤشراً على مدى إفقار الهند وتدميرها معنوياً ومادياً من جهة، وعلى مدى التراكم المادي والمعنوي الذي تحقق في المركز البريطاني من جهة أخرى، وهو التراكم الذي نهض عليه النظام الليبرالي الديمقراطي، حيث بفضل الفيض المادي الهائل صار ممكناً تنظيم الحياة البريطانية الداخلية ديمقراطياً على حساب المستعمرات! التبرجز على حساب العالم كله!

في القرن التاسع عشر كتب فريدريك أنجلس يقول: في الواقع، تتبرجز البروليتاريا الإنكليزية أكثر فأكثر، ويبدو أن هذه الأمة الأكثر بورجوازية بين الأمم تريد أن تكون لديها في نهاية الأمر أرستقراطية بورجوازية وبروليتاريا بورجوازية (إضافة إلى البورجوازية) وبديهي أن هذا، بمعنى معيّن، أمر منطقي من أمة تستثمر العالم كله (رسالة إلى كارل ماركس – 7/10/1858). وفي رسالة أخرى إلى كاوتسكي، في 12/9/1882، أي بعد أربعة وعشرين عاماً، كتب أنجلس يقول: تسألني عن رأي العمال الإنكليز بسياسة حيازة المستعمرات؟ إنه لا يختلف عن رأيهم بالسياسة بوجه عام. هنا لا وجود لحزب عمال. كل ما يوجد هنا هما حزب المحافظين وحزب الراديكاليين الليبراليين. أما العمال فيتمتعون معهم مطمئنين بوضع إنكلترا الاحتكاري إزاء المستعمرات وبوضعها الاحتكاري في السوق الدولية!

لم يحدث أي تبدّل في جوهر العلاقات الدولية حتى يومنا هذا، فالتبدّل طرأ على الظواهر الخارجية وحدها، وقد رأينا جدار العزل العنصري الذي أقيم في فلسطين، ونتابع على مدار الساعة عمليات الإبادة والتنكيل فيها وفي العراق، غير أن الشروط التاريخية الأممية تغيّرت بما لا يتفق مع استمرار هذه العلاقات الظالمة، ومأزق الاحتكاريين وقواتهم المسلحة في البلدين العربيين المحتلين تعطي الدليل على ذلك.