في سياق مقال بعنوان (سيدي الشيخ: لا تكونن ظهيرا للمجرمين) يقول الدكتور محمد منير الغضبان (موقع أخبار الشرق 3 كانون الثاني ـ يناير 2006 م) (...يشهد الله. لقد كان رياض الترك - العلماني الشيوعي ـ خيرا لشعبه منك (المقصود محمد سعيد رمضان البوطي) لشعبك يوم رفض أن يفتي للطغاة لإبادة الشعب واختار السجن سبعة عشر عاما.. حتى لا يمالئ الحاكم...).

وبعد أيام صرح مراقب عام الإخوان المسلمين (علي صدر الدين البيانوني) أنه يؤيد انشقاق أية شخصية علوية أو سنية عن السلطة (اثر انشقاق عبد الحليم خدام).

بالنسبة لبعض المنتمين إلي التيار السياسي الإسلامي، الشعب السوري هو عبارة عن طوائف وملل أو ملحدين وكفار وبالتالي لا تتحدد العلاقة مع بعض أطراف المعارضة (شيوعية أو قومية أو حتى إسلامية أخرى) إلا على أساس طائفي أو ديني باعتبار أن (الحاكمية لله) وبالتالي ليس هناك من لاحم أو رابط بين الناس إلا الدين والذي كان أساس الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية. هذا الرابط الذي تشكلت علي أساسه كثير من الإمبراطوريات والدول فقد أهميته التاريخية بعد تحلل الكثير من الدول وتفكك إمبراطوريات عديدة وإلا لما تشظت الإمبراطورية العثمانية أو إمبراطورية شارلمان المسيحية.

إذا بالنسبة لهذا البعض من التيارات الإسلامية الرابط بين الناس هو معطي ثابت لا يتبدل ولا يتحول مهما تبدلت الظروف السياسية والتاريخية علي المنطقة ومهما تنوعت خارطة المصالح وعلي أساسه يبني الفكر السياسي والبرامج التي تنشد التغيير في بلد من البلدان.

لذلك يستغرب الغضبان أن يكون (المناضل الكبير رياض الترك) خيرا لشعبه من البوطي المسلم وشيخ الجامع فالمنطقي حسب منطق الغضبان الداخلي أن يكون البوطي خيرا لشعبه من (هذا) الشيوعي العلماني، فلو تغير موقف البوطي ولو قليلا باتجاه (الأخوان) مثلا لعاد لموقعه الطبيعي ولكان خيرا من رياض الترك لشعبه! فكل التاريخ النضالي للترك ضد الاستبداد وإفناء عمره في سبيل مستقبل أفضل وديمقراطي لا شيء ربما أما (مسلم) يؤدي فروضه في الولايات المتحدة الأمريكية (البلد العلماني) الذي حمي بسبب قوانينه الحضارية والعلمانية الآلاف من المتدينين والمضطهدين في بلدانهم (الإسلامية) ولو بقوا في بلدانهم المسلمة لكانت المقصلة بانتظارهم، فالدين كانتماء وكهوية هو الأساس في العلاقة مع الآخر وفي العلاقة مع الأوطان كون الدين هو الذي ينظم الحياة الدنيا والآخرة باعتبار ان نظمه صالحة لكل زمان ومكان!!

من هنا كانت أهمية إعلان دمشق بالنسبة لهؤلاء كونه أكد حسب اقتراح أحد قادة (حزب الشعب الديمقراطي) أن الإسلام هو دين الأكثرية... الفقرة التي انتقدها الكثير من المثقفين والسياسيين كونها تختصر البلد إلي أكثريات وأقليات حسب الطوائف والأديان وليس حسب الفكر والموقف السياسي فمصطلحا الأقلية والأكثرية هما أصلا مصطلحان مدنيان وسياسيان ومتغيران فأقلية سياسية ما قد تصبح في ظرف آخر أكثرية والعكس صحيح... أقول إن التيار الديني السياسي انضم إلي هذه الفقرة من الإعلان بالضبط وليس إلي الفقرات الأخري..

وما التحالف الذي نراه حسب الإعلان إلا شبيها بتحالف الخميني عام 1978 ـ 1979 مع القوي الديمقراطية والليبرالية والشيوعية الإيرانية والتي سرعان ما تم الانقضاض عليها بعد الاستئثار بالسلطة والعمل حسب قاعدة (ولاية الفقيه).

من هنا نفهم دعوة البيانوني (تشجيع انفصال أية شخصية علوية أو سنية عن السلطة) فالسوريون بالنسبة له كتنظيم وكفكر إما مسيحي وإما مسلم، إما علوي وإما سني...وبالتالي يتم نسف كل الإنجازات السياسية والوطنية التي حققها الشعب السوري علي صعيد التلاحم والروابط الوطنية الغير فئوية أو طائفية أو عشائرية.

ولنستطرد قليلا في الأمر:

قال أحد أعضاء القيادة في حزب الشعب الديمقراطي يجب أن ينضم لإعلان دمشق شخصيات (علوية)!! والطريف كما يعلم الأصدقاء في حزب الشعب أن (العلوي الطائفي) لا ينضم إلي إعلان دمشق، فالمذهب العلوي قد يكون (هوية مفروضة) علي شخص ما بالولادة، ثم تحزب هذا الشخص أو انتمي إلي فكر ما فأصبحت له هوية مختارة بناء علي اختياره هو ويريد منها إلغاء الهويات الأخري وبناء علي هويته الفكرية والسياسية الجديدة يتحدد انضمامه أو عدمه إلي إعلان دمشق، فالصديق أبي حسن انضم للإعلان كوطني سوري مهموم بمستقبل بلده ويسعي مع الآخرين ليكون هذا المستقبل أفضل ولم ينضم إليه (كعلوي)!!

ونرجو ألا تكون قد غابت هذه الحقائق عن البعض.

إن ما يربطني بالصديق أنور البني أو بالصديق أبي لا يمت إلي الدين بصلة والعلاقة السياسية بين المناضل رياض الترك و البيانوني مثلا ليست كونهما سنيين وإنما التلاقي في موقف سياسي محدد في ظرف محدد وعلاقة الشهيد محمد عبود (العمل الشيوعي) مع جلاديه الذين قتلوه في فرع اللاذقية وربما كلهم من طائفة واحدة هو الموقف السياسي الذي أدي لقتله من خلال التعذيب وهذا الأمر ينطبق علي كثير من الأسر التي تضم بين أفرادها ضابط مخابرات وسجين سياسي فكل منهما ينتمي لفكر وموقف مختلف رغم رابطة الدم بينهما.

وقل نفس الأمر علي أكرم الحوراني وأنصاره في ريف حماة فالطائفة لم تحدد هذه العلاقة إنما المصلحة السياسية والحياتية. ما سبق يشكل علي ما أعتقد الأساس للتحالف السياسي وليس أي شيء آخر من هنا كانت خطورة الدعوة لتشكيل تنظيمات سياسية طائفية (ما قبل وطنية) (إخوان مسلمين ـ إخوان علويين ـ إخوان مسيحيين...) تعيدنا إلي الوراء بحثا عن لاحم غير وطني يفتت البلد ويعصف بوحدته ويفتح المجال واسعا أمام حرب أهلية لا تبقي ولا تذر يخرج الجميع منها خاسرين، والعراق ولبنان مثالان حيان وفاقعان لخطورة العودة إلي روابط ولواحم غير مدنية وسياسية فما نحتاجه نحن السوريين هو نظام مدني علماني ديمقراطي برلماني، الحرية الفردية فيه مقدسة ضمن إطار قانون عصري مدني فما نريده هو مستقبل أفضل وحياة آمنة لنا وللأجيال القادمة