سعاد جروس/الكفاح العربي

«ويل للعالم حينما تصبح الولايات المتحدة الأميركية سيدة الدبلوماسية فيه» كلام قاله أحد رجال الصحافة الفرنسيين من على منبر مدرسة الحرب العليا بباريس في العام 1953. اليوم بعد حوالى نصف قرن, نشهد هذا الويل. لقد أصبحت الدبلوماسية الأميركية المسيطرة على العالم, بجهود إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش, التي استنهضت بتطرفها الأصوليات بين نصفي الكرة الأرضية, وقوضت بكفاية جهود سنوات طويلة من مساعي التواصل والحوار بين الثقافات, حتى تمثل هذا البلاء حروباً وفوضى لم تعد تطيقها حتى إسرائيل التي دأبت على تشجيعها.

وأمس سمعنا رئيس الأمن الداخلي الإسرائيلي €شين بيت€ يقول «ان إسرائيل قد تندم على قرارها دعم الغزو الأميركي للعراق» لقد اكتشف وبقدرة قادر أن «ديكتاتورية قوية قد تكون أفضل من الفوضى التي تسود حاليا في العراق». فهل يدفع الندم الإسرائيلي أميركا لتعدل عن سياسة استفزاز عوامل التطرف؟ أمر مشكوك فيه, بعد تفجر بركان الغضب الإسلامي, على الإساءة للمقدسات, واستمرار الموقف الأوروبي في المراوحة بين التعنت العنصري ودهاء المراوغة. فالفوضى ودفع الحضارات الى التصادم طريق عريض عبدته أميركا بممارسات شنيعة في أفغانستان والعراق وبدعم الاحتلال في فلسطين, وما عاد سهلاً التراجع عنه, خصوصا حين لا يتوانى الغرب عن كشف وجهه العنصري, في إسباغ الطابع الديني على هذا الصراع, وهو ما عبر عنه بفجاجة ووقاحة تعمدت استلهام تاريخ مؤلم وقبيح, وزير إيطالي دعا البابا إلى قيادة حرب صليبية على المسلمين!!!

ما اعتذر عنه بوش واعتبره زلة لسان في وصفه الحرب على الإرهاب بأنها حرب مقدسة أو صليبية, يأتينا بعد خمس سنوات وزير من إيطاليا المتوسطية ليدعو صراحة إلى حرب صليبية! فماذا ترى العرب فاعلين, هل من صلاح الدين يبعث حياً؟

تقرأ أميركا التاريخ, لكنها تتعمد تجاهله, بينما يعيد الغرب الأوروبي منذ عقود النظر في تجربته الاستعمارية كما يبدو, لتساعده على التمادي في قرع طبول الحرب, وإطلاق خيالات الهيمنة وخيلاء النرجسية نحو الشرق الذي قَبِلَ بالأوروبيين محاورين وشركاء, لكن ليس آباء ولا أوصياء على معتقداته. ولا سيما أن هذا المشهد الدائر اليوم لا يبيح لهم أن يكونوا ناصحين عقلاء, وإنما يجعلهم وبامتياز مؤججي فتن سفهاء تحت زعم حرية التعبير.

تابعاً للسؤال السابق, ترى كم من مسلم أو عربي يرى في نفسه صلاح الدين؟ قد يعتبر البعض هذا الكلام مساً من الجنون أو انفعالاً عاطفياً زائداً على الحد, لكنه سؤال, والإجابة عنه ليست في حرق السفارات ومظاهر الغضب الجامح التي عمت العالم الإسلامي. غير أن من يستحضر روح الحروب الصليبية, لا بد أن يستحضر معها ما جرته علينا وعليهم من حروب انتهت بدحر حملاتهم على مدى أربع قرون. قبل الوزير الإيطالي, دخل جيش الانتداب الفرنسي بقيادة الجنرال غورو الى دمشق وتحدى صلاح الدين في قبره, قائلاً: ها قد عدنا يا صلاح الدين. وكما للصليبيين أحفاد كذلك كان لصلاح الدين, ولم تمكث الجيوش الفرنسية طويلاً حتى خرجت من بلادنا, ولم يكن خروجها مشرفاً.

ما يثير الرثاء فعلاً, وصف بعض المتحضرين من النخب العربية للغاضبين بالرعاع والهمج, ليس لأننا مع أعمال العنف المدانة قطعاً بأي شكل كانت وتحت أي مسمى جاءت, وليس أيضاً لأن الموصوفين بالرعاع هم قاعدة الثورات الغاضبة من أجل حريتها وكرامتها, وإحدى أمثلتها البارزة الثورة الفرنسية التي يتنعم بعائداتها الحضارية الفرنسيون والتي لا يكف متفرنسونا عن التغزل بها؛ الرثاء لأن هناك من لم يتفهم حالة الاحتقان الشديدة التي يعانيها العرب وبالأخص الشباب, جراء السياسة الأميركية الساعية الى الفوضى «البناءة» والتي انتقلت من «الغموض البناء», إلى «الوضوح الهدام» بامتهانها تأجيج الأصوليات وتجنين عالم لم يكن مجنوناً كما هو اليوم, فتحول الغرب الذي كان متفرجاً منافقاً إلى فاعل موتور ومسعور, وكأنما حل دوره في التصعيد العنصري ضد العرب والإسلام, ووجد متنفساً له في عجز الحكومات العربية المتهالكة عليه.

أليس من الترف دعوة الجماهير المجروحة الى التعقل وكظم الغيظ عن كل ما لحق ويلحق بها من إهانات, طوال ثلاث سنوات من الاحتلال الأميركي السافر للمنطقة, والعرب يتجرعون صورهم مهانين على شاشات التلفزيونات, من هتك أعراض الأسرى والأسيرات في سجن أبو غريب إلى تدنيس المقدسات في معتقل غوانتانامو إلى انتهاك حرمة المساجد في العراق. ما المقصود منها سوى تطبيع الإذلال؟ ألا يهيج تكرارها المشاعر الدينية؟ أليس الإلحاح عليها تحريضاً متعمداً على العنف؟

هذه الأمة لم يبق لها غير المقدسات عنواناً للكرامة, وإذا كانت تستباح بهدف تكريس الأصوليات, فعليهم تحمل عواقب ما يفعلون بمشاعر شعوب صبرت حتى ملها الصبر, وفي هذا الموقف, قالت العرب: فمن رام تقويمي فإني مقوَمُ ومن رام تعويجي فإني مُعَوَجٌ