يقف العالم اليوم على حافة خط تقسيم خطر بين عالم ما بعد الحرب الباردة، الذي خبرناه منذ 1989، عالم من الديمقراطية المتزايدة والسوق الحر، وعالم ما بعد بعد الحرب الباردة، وهو عالم مجهول ولكنه من المؤكد ان يصبح اقل استقرارا، وازدهارا ورحمة. واعتقد ان الاسئلة التي ستحدد ما اذا كنا سندخل عالم ما بعد الحرب الباردة تنحصر في امرين هما: كيف ستتمكن الهند والصين وروسيا من التعامل مع طموحات ايران النووية، وكيف سيتعامل الغرب، واميركا بصفة خاصة، مع نفط يصل سعره الى 60 دولارا.

دعوني اوضح لكم: اذا ما طورت ايران قنبلة نووية، فمن المحتمل أن تتبعها الدول العربية السنية. فالعرب السنة يمكنهم تجاهل القنبلة الاسرائيلية، ولكنهم لن يقبلوا امتلاك الشيعة الفرس لقنبلة نووية. الامر يتعلق بإخوة بينهم منافسة تعود لقرون طويلة. واذا ما بدأ العالم العربي في امتلاك سلاح نووي، فإننا سنشاهد انهيار نظام حظر انتشار الاسلحة النووية.

وعالم يملك كل هذه الاسلحة النووية، ولا سيما في منطقة انتاج النفط الاولى، يمكن ان يصبح اكثر خطورة وعدم استقرار، بالمقارنة بعالم ما بعد الحرب الباردة. تخيل ايران مع وصول سعر برميل النفط الى 60 دولاراً لتفعل كل الاضرار التي ترغب فيها، وسلاح نووي يحميها من أي عمليات انتقامية. واذا ما اردت معرفة ماذا سيكون عليه شكل عالم ما بعد بعد الحرب الباردة، استمع الى رئيس ايران محمود احمدي نجاد. فقد قال في حديث مع صحيفة «الغارديان» البريطانية «لا يمكن لاعدائنا فعل أي شيء. لا نحتاجكم على الاطلاق. ولكن انتم في حاجة الى الامة الايرانية».

وانا على قناعة بان الدول الوحيدة القادرة على اقناع ايران بالتراجع ـ عبر الدبلوماسية ـ هي الصين والهند وروسيا. فأوروبا ضعيفة للغاية، واميركا استخدمت كل حظر اقتصادي ممكن ضد ايران.

الصين والهند وروسيا استفادت استفادة كبرى من نظام ما بعد الحرب الباردة، والتجارة والتنمية الاقتصادية والتصدير الناتج عن ذلك. لقد شكلت الولايات المتحدة، بصورة كبرى، هذا النظام وحمته، واستفادت منه الصين والهند وروسيا بلا مقابل.

ولكن هذا النظام سيستمر فقط اذا ما تخلت الصين والهند وروسيا عن ترددها بالتقارب الشديد مع اميركا، واصبحت طرفا في الحفاظ على مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

اما بالنسبة لأميركا، فإن واجبات ومهام قيادتها قد تحولت. إذا استمر فريق بوش في ترك امر تحديد سياسات النفط لديك تشيني، أي سياسة اعتماد الولايات المتحدة على النفط الخام، فإن الحركة الديمقراطية التي برزت عقب الحرب الباردة وانهيار سور برلين ستصاب بالفشل او الضعف، او تتراجع عن اهدافها.

كما ان الأنظمة الحاكمة في دول مثل ايران وفنزويلا وسورية وبورما والسودان ونيجيريا، واذا ما استفادت من عائدات نفطها على مدى عشر سنوات بمعدل 60 دولارا للبرميل، فإن المدى الديمقراطي الذي يتحدث عنه بوش سيواجه عقبات. وبمعنى آخر، ستكون لدى أسوأ الأنظمة قوة وسلطة تسمحان لها بدعم أكثر التوجهات السياسية والدينية رجعية.

لا اؤيد الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها الصحيفة الدنماركية عن النبي محمد. ولكن بعض الصحافة العربية ـ الاسلامية تحتوي يوميا على ما هو أسوأ بكثير. ولكن لماذا يوضع الغرب في هذا الموقف ؟ لا اؤيد ايضا المساعي الرامية الى تخويف وتهديد وسائل الإعلام العالمية التي نشرت هذه الرسومات، وهي تهديدات اجّجتها ايران وسورية وحلفاؤهما.

ترى، ما الذي يمكن ان يحدث بعد بضع سنوات اذا استمرت هذه الدول في الحصول على عائدات نفط على اساس 60 دولارا مقابل البرميل؟

ما سيحدث هو ظهور محور تطرف، يضم ايران وسورية و«حزب الله» و«حماس» ـ وهي جهات تمولها ايران، يعمل على تهديد ذوي التوجهات المعتدلة في العالم الاسلامي.

يتذكر دبلوماسي بريطاني تعليق إيرنست بيفين وزير الخارجية البريطانية عام 1946: «اعطني 100000 طن من الفحم، اعطيك سياسة خارجية». كان بيفن يقصد «اعطني مصدرا للطاقة لتدفئة المنازل وإدارة الشأن الاوروبي، وسوف اعطيكم اوروبا وقد اعيد إعمارها».

نريد جهودا ومساعي وطنية عاجلة تبدأ بفرض ضريبة على الجازولين، ودفع الاقتصاد الاميركي في اتجاه الطاقة المتجددة، وتوفير الطاقة باستخدام السيارات المصممة لهذا الغرض. اذا فعلنا ذلك، فإن كثيرين سيحذون حذونا. اما اذا لم نفعل ذلك، فيجب ان نقول وداعا لعالم ما بعد الحرب الباردة ، وما بعد بعد الحرب الباردة.