خالد عيسى طه

كثرت أراء الخلاف واشتد الصراع بين مفهومين ، بين قدسية الرسول (ص) عند مليار وثمانمائة مليون مسلم وقدسية التعبير الحر التي ثبتت مفاهيمها في أوربا ، ولكن الكثرة الكاثرة من الناس العقلاء الراجحي العقل يعرفون كيف يفرقون بين الاثنين.

برأيي إن ما رُسم عن الرسول الأعظم (ص) لا يمثل حرية رأي ولا حرية صحافة انما يمثل حرية التعدي والاساءة لقدسيات الآخرين ، بل ويمثل انتهاكاً صارخاً لخصوصية الانسان التي هي جزء أساسي من حريته التي يدّعي الغرب أنه من المدافعين عنها والمروجين لها. نحن مسلمون مؤمنون بالاعتدال فالاسلام دين الوسطية لا دين التطرف والارهاب الذي يوقع بالمدنيين آثاراً دامية ، نحن لا نؤمن بتسييس الدين وجعله جسراً للسلطة ، نحن نؤمن بدين السماحة .. بدين المحبة .. بدين السلام الذي اشتركت فيه الأديان وجاء به الرسل وخاتمهم سيد الخلق محمد (ص) . إن التعكز على حرية الرأي دون اسناده لقاعدة قانونية صلبة شيء مستغرب ومستهجن في نفس الوقت ، فالدنمارك دولة ابتعدت عن الأحلاف الأحلاف الأوربية حتى لا تزج بشعبها في قسوة الحروب .. الدنمارك شعبها يؤمن بالحرية والديمقراطية .. الدنمارك الدولة التي احتوت الكثير الكثير من اللاجئين العراقيين وبأسهل الشروط وأبسط الحالات ، الشعب الدنماركي تقبل الأجنبي كانسان ، لا يفرق بين دين وآخر ولكن ، في كل شعب هناك من يسيء الى المجموع بجانب الديمقراطية ، لا زال هناك جذوراً للنازية التي استعملها هتلر ومحق بها اوربا ودمر شعوبها معلناً كراهيته للاجناس البشرية ، متمسكاً بأن الشعب الألماني هو خير الأجناس وأكثرهم ذكاءً وقدرة على قيادة العالم ، لم يكن كما تناقلته الأخبار مجالاً لتوسع نشر مثل هذه الرسوم الكارتونية ولكن تمازج شعار حرية الرأي والصحافة مع النيات الخبيثة لبعضهم وخلط السم بالدّس ، وصلت الحالة الى ما وصلت اليه ، إن هذا الرسم ليس وليد اللحظة إنها تسبق احتجاج أمة الاسلام عليها بأشهر وأخذت مراحل منها:

أ‌- نشرت الصحيفة التي لا تملك ذوقاً اجتماعياً هذه الرسوم وأحتجت عليها الجالية الاسلامية ، وذهبوا بطلباتهم الى المسؤولين ولكن للأسف رفضت جميعاً بحجة قدسية الكلمة الحرة . ب‌- اجتمع رئيس وزراء تركيا (أردوغان) وطلب رسمياً أن يقدم رئيس وزراء الدنمارك اعتذاراً للشعوب العربية والغير عربية والتي تحترم الاسلام وهي نفس الشعوب التي تكون وارداً مهماً للدخل الدنماركي ومستهلكاً كبيراً لسلع الدنمارك وخاصة الأجبان والحليب ، ولكن رئيس الوزراء رفض الاعتذار وبنفس الحجة . ج‌- وزاد الطين بلة المرحلة الأخيرة ، يوم تعمد أصحاب الحقد على الاسلام أن يعيدوا نشر هذه الصور في صحف مختلفة وفي دول أخرى.

أنا والكثير منا لا نستطيع أن نفكر أو نقبل فكرة حرية الرأي ، والحرية من أصولها وخصائصها أنها تُشل عندما تسيء الى الغير وخاصة اذا كان هذا الغير هو سيد المرسلين ، والقانون الذي يحمي هذه الحرية ، ونحن جميعاً نحترم الحرية بمفهومها الصحيح ، ومن منا لا يسعى نحو الحرية ، ومن منا لا يريد تشريعاً لحمايتها ولكن ليس من العدالة أن بلداً واحداً يصدر قانونين ، قانون يمنع بتحريك الدعوة ضد أي صحيفة مارست حقها في التعبير ، وقانون آخر يمنع أي صحيفة تمارس حقها في التعبير ضد السامية التي تننتمي إليها دولة اسرائيل ، وكل من يتجاوز بأي شكل كان بالاساءة الى الشعب الاسرائيلي ، أو موافقة الهليكوت فيعتبر ضد السامية (anti samist) مفكرين أوربيين وشعراء نالهم العقاب بموجب قانون حماية السامية.

أتساءل ويتساءل معي الكثير ، ان السامية تمثل من ستة الى ثمانية ملايين يهودي ، ومحمد (ص) يمثل ملياراً وثمانمائة وسبعون مليون مسلم ، أيهما أجدر بقانون يحمي اسمه وذكراه وسيرته العطرة .

يقول البعض أن ما جرى هو صراع حضارات .. ما أغبى هذا القول وما أبعده عن الحقيقة ، فالحضارات لا تتصارع .. الحضارات تنمي بعضها البعض وتأخذ من بعضها البعض ، ولا يمكن أن يسيل دم وتمارس القسوة في صراع الحضارات ، برأي أنه صراع بلطجة العصر الحديث ، فالحضارات تتناغم وتختلف وتتفاهم ولكن جميعا تصب في مصلحة الانسان وتراثه وتأريخه ولا تترك نهراً من الدماء ولا أيتام ولا بيوتاً مدمرة ولا .. ولا .. ولا رسوماً تمسّ الرسول .

نحن لا نستطيع أن نجرد ما يجري في العراق الآن من تقرب الى الحرب الطائفية وبينما يجري في احتجاجات حول الرسوم ، في العراق طائفية .. في العراق عنصرية .. في العراق ذبح الناس من الوريد الى الوريد في سبيل المصلحة الشخصي ، لا بأس أن يضم العراق طوائف متنوعة وهذه ظاهرة صحية ، فالمذاهب مقبولة والعناصر مقبولة والأديان مقبولة في كل مجتمع بشرط أن تتفاعل مع بعضها وتتلاحم لخير العراق وليس لذبحه ، ذبحه عندما يطالبون بالتقسيم ، ذبحه عندما يعلنون عن الفيدرالية التي تجعل منه دويلات ومماليك وكانتونات.

نريد أن نطرح الاستفهام التالي: هل ان شعار حرية التعبير شعار مقدس لا يقبل التاويل؟ واذا تجاوزت هذه الحرية الخطوط الحمراء لتمس معتقدات الاخرين هل تعتبر حرية ام فوضى؟ وما هي مصلحة الدولة التي تشجع ذلك؟

لقد تعلمنا كمحامين في بريطانيا أن قضائهم يعتمد على المنطق ويعتمد على الوقائع فهم يضعون حداً لمفهوم حرية التعبير ويضعون حداً حتى للحرية الشخصية ، فلا يجوز التعري في الشارع باسم الحرية ، ولا يجوز أن تعمل ضجيجاً في بيتك بحيث يتأثر بها الجار باسم الحرية الشخصية ، وهذا اللايجوز يلمسه المواطن البريطاني ومن يعيش على الأرض البريطانية ، فان هناك سقفاً معيناً للحرية ، وبعد صراع قانوني كبير مرّ في القرن العشرين وجدنا أن القضاء البريطاني يتعامل مع مبدأ حرية الكلام والتعبير بطريقة واسعة وعملية ، فإذا اعتدى بالكلام نشراً أو قولاً مواطناً على مواطن آخر حتى ولو كانوا أعضاءً في مجلس العموم البريطاني ، هنا ينهض المساء اليه بكل جرأة ليقول لقد تجاوزت حقك في مبدأ حرية التعبير ، إما أن تثبت ما تقول أو تجلس وتصمت (either you add up or shut up) ، وقد نظرت المحاكم في عشرات القضايا ووجدت أن الناس الذين يتطاولون بلسانهم وفكرهم على الغير عاجزين عن الادانة ، فحكمت عليهم بالتعويض مع السجن ، فلقد كان على الحكومة الدنماركية أن لا تؤثر على القضاء الدنماركي لتؤثر على الدعوة القائمة من الجالية المسلمة وردها على رافعيها وتحميلهم مصاريف الدعوة ، بل كان عليها أن تطالب المسؤولين عن الفعلة المشينة أن تثبت الاتهامات ، هذا الذي يقبله المنطق في دولة مثل الدنمارك .

ما العمل الآن؟

من المفيد في الوقت الحاضر أن نعمل على توعية الناس أن مقاطعتهم كانت صحيحة وأن استمرارهم على المقاطعة يدل على الوعي والصحوة الدينية والعقاب المادي برأيي لا يقل عن العقاب الجسدي ووضع الانسان في السجن ، ولتعلم الرأسمالية في الدنمارك أن مصالحها ليست فقط في العالم الاسلامي ولكن في كل الشعوب ، إن لم تعمل على تشريع قوانين تضع حداً لحرية التعبير والاساءة ستجد أن مصالحا تتضارب بالشك لالذي يحرمها من مكاسب مادية كثيرة ، وهذا ما حصل.

علينا أيضاً نحن المسلمون سواء من العرب أو غير العرب أن نفهم العالم أن المقاطعة طريقة حضارية في التعبير عن الاحتجاج ، فهي كالاعتصام والاضراب ، وهي فعلاً إضراب عن شراء بضاعة معينة من دولة معينة .

ولقد استعمل هذا النوع من الضغط أو العقاب في مراحل شتى من التاريخ الحديث والمعاصر ومنها نيلسون مانديلا في جنوب افريقيا وقبله غاندي في الهند ، والكثير من الشعوب مارست هذا النوع من الاحتجاج والذي يدل على الحس الوطني والوعي السياسي والصحو الدينية التي تمتلكها الشعوب العربية بالذات ، يجب أن نترك الموضوع للشعوب ولا نزج بالحكومات بالعنف بمهاجمة السفارات والقنصليات العائدة للدول الناشرة ، لأن هذا التصرف سيمكن كارهي العرب والاسلام من الصاق تهمة الارهاب ، ما أعجب وأغرب أن يلصق الارهاب بالدين الاسلامي ، وهو دين من ألفه الى يائه يدعو الى الرحمة والوئام والعيش المشترك والتسامح والجنوح الى السلم ، في اللحظة التي يجنح فيها العدو للسلم ، أهناك دين في العالم يتهم كدين بالارهاب ، لماذا لا تتهم البوذية بالارهاب ، واليهودية واليسوعية .. بالارهاب ، فاذا كانت المسيحية تأريخياً قامت بحروب ذهبت ملايين الشعوب ضحيتها ، هل الدين المسيحي كان ارهابياً ، أم من تمسك بذلك هو الارهابي ، ونستطيع أن نقول بملء الفم أي انسان يستطيع أن يفسر نصوص القرآن كما فسرها الرسول ، وكل الفقه الذي جاء به الاسلام اذا لم يطابق ما جاء في القرآن فهو بدعة أولاً وأخيراً وجسراً لمصالح ضيقة.

أنا لست مع الزرقاوي ولا ارهابه ، إنهم باسم الاسلام يقتلون فئة أخرى من المسلمين ، أتساءل أين هم من الدين الاسلامي والشريعة السمحاء؟ ، أين هم من عبادة الله؟ وكيف نحن المسلمين نقبل مثل هؤلاء الارهابيين القتلة في الاسلام؟

العالم يجب أن يصحو من هذه الحالة الفوضوية.

الكل ذوي المقاصد يهيئون لاشعال نار الحقد على العرب والاسلام ، حيث هناك عشرات الملايين من المسلمين في أوربا يريدون أن يرونهم نجوم الضحى تتطاير من أعينهم وأدمغتهم ، كل شيء يوحي بالاستقرار والعيش الرغيد الذي تنشده الشعوب ، وحملتهم أرجلهم عبوراً شرعاً أو خلسةً من بلادهم الى هذه الدول لنيل ابتغائهم ، علينا أن نعي وعلى الشعب الأوربي أن يعي أننا نحن العرب الضيوف والأوربيون المستضيفين نكمل بعضنا البعض اقتصادياً واجتماعياً ، وإن التقدم الصناعي في أوربا كان جزءاً منه ما قدمه الاسلام كالاتراك في ألمانيا .

أملنا جميعاً أن نجني ثمار احتجاجنا هذا من الرأي العام الأوربي بأن يحترم ديننا ورسول هذا الدين محمد (ص) .