د. ثائر دوري

رغم أن شخصنة الأحداث التاريخية الكبيرة ، أي ربط الأحداث بشخص واحد ، هي أسوأ قراءة لتلك الأحداث إلا أني لم أستطع الفكاك من شخصنة حدثين تاريخيين كبيرين ، انتصار موراليس في انتخابات بوليفيا و انتصار حماس في انتخابات فلسطين ، عبر ربط الحدث البوليفي بشخصية غيفارا و الحدث الفلسطيني بشخصية الشيخ الشهيد ياسين. فلا شك أن روحي هذين البطلين كانت ترفرف مبتسمة راضية فوق سماء بوليفيا و سماء فلسطين . فبذرة رفض الظلم و الحرية و المقاومة التي بذراها قد انتشت في كلا البلدين .

إن الشخصنة مجحفة بحق البشر الذين ضحوا و تعذبوا و استشهدوا ، فالنضال في بوليفيا لم ينقطع منذ عام 1952 و تراكمت الثورات فوق الثورات حتى وصل ايفو موراليس إلى الحكم . أما في فلسطين فالوضع أعقد لأنها قلب العالم ، فالشهداء يدفنون فوق الشهداء في منطقة لم تنقطع المقاومة فيها منذ مائة عام .الثورة في إثرها ثورة ، و الشهيد وراء الشهيد و تحت شتى الأسماء و الشعارات و الرايات . فالشهيد يسلم الراية للشهيد الذي في إثره دون أن يسأله عن لون رايته . ومع ذلك تبقى الشخصنة مشروعة جزئياً على الأقل من أجل استعادة بعض من سيرة هذين المقاومين .

تاريخ والت روستو يرسل مذكرة إلى الرئيس الأميركي لندون جونسون يخبره بأن البوليفيين قبضوا على شي غيفارا ، وأن الوحدة البوليفية التي تولّت الأمر كانت من الوحدات التي درّبتها الولايات المتحدة . 9 تشرين أول 1967 الساعة العاشرة قبل الظهر : الضباط البوليفيون يواجههم السؤالُ : ماذا سيصنعون بِـشَـي غيفارا . إن مقاضاته مستبعدةٌ ، لأن المحاكمة ستجعل العالم يركز الانتباه عليه ، مما يولِّـدُ تعاطفاً مع شَـي وكوبا . تقرَّرَ وجوب إعدام شَي فوراً ، لكن جرى الإتفاق على أن الرواية الرسمية ستقول إنه توفي متأثراً بجراحه في المعركة . استقبل فليكس رودريغز مكالمةً من فاله غرانده تتضمن أمراً من القيادة العليا بأن ينفذ العمليتين خمسمائة وستمائة . خمسمائة هو الرمز البوليفي لشَـي ، وستمائة هو الأمر بقتله . أخبرَ رودريغز العقيد زنتانو بالأمر ، لكن أخبره أيضاً بأن الحكومة الأميركية أصدرت تعليماتها إليه بإبقاء شَـي حياً بأي ثمن. المخابرات المركزية والحكومة الأميريكيتان ، كانتا هيّـأتا هليكوبترات وطائرات لنقل شَـي إلى بنما لاستجوابه هناك . إلاّ أن العقيد زنتانو قال إن عليه تنفيذ أوامره هو ، أمّـا رودريغز فقد قرر أن " يترك التاريخ يأخذ مجراه " ، ويدع القضية في أيدي البوليفيين .

يدرك رودريغز أنه لايستطيع أن يتلبّث أكثر ، بعد أن أخبرته معلمة المدرسة أنها سمعت عبر مذياعها خبر موت شَـي . رودريغز يدخل غرفة المدْرسة ليخبر شَـي بأوامر القيادة العليا البوليفية . شَـي يفهم ويقول :

" افضل أن يتمّ الأمر هكذا … ما كان ينبغي أبداً أن يلقى عليّ القبض حيّـاً " . يسلِّـم شَـي غيفارا إلى رودريغز رسالةً إلى زوجته وإلى كاسترو ، يتعانق الإثنان ، ويغادر رودريغز الغرفة . الضباط ذوو الرتب العالية في الهجيرا ، كما أفادَ مصدرٌ واحدٌ ، كلّـفوا بتنفيذ الأمرِ نوابَ الضباط الذين اقترعوا على من سينفذ الإعدام . قُبيلَ الظهر تماماً ، استقرت القرعة على العريف خاييم تيرون . يذهب تيرون إلى المدرسة

ليعدم شـي غيفارا . تيرون يجد شـي ملتصقاً بالحائط ، ويسأله شَـي أن ينتظر دقيقةً كي يقف . يرتعب تيرون ويفرّ هارباً ، لكن العقيدينِ سليج وزنتانو يأمرانه بالعودة . كان لا يزال يرتعد حين عاد إلى غرفة المدرسة ، ووجّه الرصاص ، بدون أن ينظر في وجه شَـي ، إلى صدره وجنبه . جنود آخرون كانوا يريدون أن يطلقوا النار أيضاً ، يدخلون الغرفة ويطلقون عليه النار .

جاء في رواية جون لي أندرسن أن العريف تيرون يتطوع لرمي شَـي . آخرُ ما قاله شـي لتيرون : " أنا أعرفُ أنك جئتَ تقتلني . أطلقْ . أنت ستقتل رجلاً فقط " . تيرون يطلق النار على ذراعي شَـي وساقَيه ، ثم على زَوْرهِ مالئاً رئتيه دماً . ( ساعات غيفارا الأخيرة – ترجمة سعدي يوسف) 21كانون الثاني 2006 راعي الماشية ، بائع الخبز ، عامل البناء ايفو موراليس يعتلي سدة الرئاسة في بوليفيا حيث استشهد تشي قبل أربعين عاما إلا قليلاً . و على نفس خط غيفارا و بنفس شعاراته و بشخصية قريبة من شخصيته ، يمتنع الرئيس الجديد عن ارتداء ربطة العنق و البروتوكولات الغربية ، و يرتدي بدلة مخططة تنسف قواعد البروتوكول و تهدد بالتحول إلى موضة . يخفض راتبه إلى النصف ، يتعهد بتأميم صناعة الغاز في بلد يمتلك مخزوناً ضخماً منه . لكن تسيطر عليه الشركات الأمريكية و يعيش الشعب في فقر مدقع ، و يقول سوف نؤمم كل ما له علاقة بالثروات الطبيعية ، سوف نمارس هذا الحق فهو حقنا نحن السكان الأصليون لأننا أصحاب هذه الأراضي الخيرة و مسؤوليتنا هي رعايتها . و يتابع :
- نحن على قناعة تامة ان الأسس الجديدة للنظام الإقتصادي الجديد في بوليفيا تقوم على استغلال مواردنا الطبيعية لمصلحتنا إذ من غير الطبيعي أن تكون مواردنا المعدنية و الغابية و الغاز الطبيعي و المحروقات مخصصة و مسلمة للغير و معروضة للبيع فيما يشبه المزاد العلني ، يجب أن تعود إلى أيدي الدولة البوليفية ، هذه ثروات أجدادنا القدامى زعماء السكان الأصليين منذ أكثر من خمسمائة عام و سوف نستعيدها لتكون في خدمة الشعب و تحت سيطرته ( الجزيرة نت )

يطلق شعاراً يقول :
-  نريد شركاء أجانب لا أسياد في بلادنا . يتعهد بتحسين مستوى حياة فقراء شعبه و القضاء على الجهل و الأمية و المرض . و يصف بوش بالإرهابي الأول بسبب تدخلاته العسكرية . و يعلن انه لا يخاف من الاغتيال ، أنا ليس لدي حراس شخصيون ، نظام الحراسة الذي اتبعه يقبع في أيدي ثمانية ملايين بوليفي و الله و طبيعتي الأم و أرضنا الخيرة ( لقاء مع قناة الجزيرة عقب انتخابه )

آذار 2004 : سلاح الجو الصهيوني يطلق ثلاثة صواريخ على الشيخ المقعد الكسيح الذي لا يتحرك إلا على كرسيه النقال بعد أن أدى صلاة الفجر . فيستشهد هو و اثنين من مرافقيه . و كان رئيس الوزراء الصهيوني المجرم شارون قد أشرف على اغتيال الشهيد في غرفة العمليات . و قبل أشهر كان الشيخ الشهيد قد نجا من محاولة اغتيال . كانون الثاني 2006 انتصار ساحق لحركة حماس التي أسسها الشيخ الشهيد في الانتخابات و ببرنامج مقاوم ، فالحركة لم تقدم أية تنازلات تخص المقاومة و السلاح. نص : الديمقراطية المقاومة من قلب العالم فلسطين إلى الحديقة الخلفية للولايات المتحدة ، أمريكا اللاتينية ، يتشكل قوس مقاوم للهيمنة الغربية في طبعتها الأمريكية على العالم مبدعاً شكلاً جديدا من المقاومة ، هو الديمقراطية المقاومة . كان الغرب يريد الديمقراطية طريقاً للهيمنة و اختراق الشعوب فحولتها الشعوب إلى سلاح من أسلحة المقاومة مظهرة الوجه الحقيقي للديمقراطية بعد أن شوهتها تجارب أوربا الشرقية ذات الطابع المافيوي و بعض تجارب العالم الثالث ........ إن الديمقراطية المقاومة تعبير عن خيار الشعب ، الذي لا يقبل المساومة ، و هو الحق في رفض الهيمنة الغربية و الحق في الحرية و تغيير الواقع ، ينما الغرب يريدها ديكوراً شكلياً يقتصر على إلقاء الورقة في صندوق الاقتراع ، لانتخاب السياسيين الفاسدين الذين أثروا من علاقتهم الأنظمة الدكتاتورية ، حيث أنهم و حتى الأمس كانوا ضمن مؤسسات الدكتاتورية .لكنهم يتشدقون اليوم بالديمقراطية لأنها صارت موضة مدعومة من نفس الغرب الذي كان يدعم الدكتاتوريات ، أي أنها و حسب الحسابات التجارية التي يتقنونها جيداً صارت أكثر ربحية من الانخراط في مؤسسات الدكتاتورية . يريدها الغرب ديمقراطية تعيد إنتاج هيمنته و سيطرته ، و تؤبد استغلال الغرب للشعوب ، و الإنسان للإنسان . لكن الفلسطينيين و البوليفيين و قبل ذلك أهل فنزويلا. أعطوا العالم درساً كيف أن الديمقراطية الحقة ، هي ديمقراطية مقاومة للسيطرة الأمريكية و منادية بمساواة الإنسان مع الإنسان . و من هنا الإرباك الغربي في التعامل مع نتائج الانتخابات الفلسطينية و قبله التعامل المنافق مع الحالة الفنزويلية ، حيث دعم الأمريكان الانقلاب العسكري و هم يتشدقون بالديمقراطية ، و كأنهم في الحالتين ، الفلسطينية و الفنزويلية ، يقولون للشعوب إن الديمقراطية التي نقبل بها هي التي تديم سيطرتنا عليكم سلمياً و عبر صناديق الاقتراع !! يقول الشيخ ياسين :
-  نريد انتخابات علي قاعدة مواجهة العدو واستخلاص أرضنا ووطننا، وليس الاستسلام للعدو رفض الظلم غيفارا وفي سن الرابعة عشرة ، وارنستو ما زال يركب الدراجات ويلهث وراء الفتيات وهو يطاردهن ، قبض على والدته ، وعذبت في سجون حاكم الأرجنتين بيرون ، وكانت التجربة قاسية جدا بالنسبة لغيفارا : أن يرى أمه ، التي قدمت السنوات وهي تخشى على صحته من الاعتلال والضعف ، وتسهر الليالي قربه محاولة أن تخفف من زفير صدره المصاب بالربو، فجأة في السجن تعذب على أيدي القساة ، وهو لا يستطيع أن يفعل شيئا "

الشيخ ياسين عانت أسرة الشيخ الشهيد كثيرا -شأنها شأن معظم المهجرين الفلسطينيين من أراضيهم عقب نكبة عام 1948 - و ذاقت مرارة الفقر والجوع والحرمان، فكان يذهب إلى معسكرات الجيش المصري مع بعض أقرانه لأخذ ما يزيد عن حاجة الجنود ليطعموا به أهليهم وذويهم. اعتقل الشيخ الشهيد ياسين مع جماعة الإخوان المسلمين عام/ 1954/، وظل حبيس الزنزانة الانفرادية قرابة شهر ثم أفرج عنه بعد أن أثبتت التحقيقات عدم وجود علاقة تنظيمية بينه وبين الإخوان. وقد تركت فترة الاعتقال في نفسه آثارا مهمة لخصها بقوله ’إنها عمقت في نفسه كراهية الظلم، وأكدت (فترة الاعتقال) أن شرعية أي سلطة تقوم على العدل وإيمانها بحق الإنسان في الحياة بحرية’. إما أن ننتصر أو نموت بشرف غيفارا ومرة ، قال لكاسترو ، في الرسالة الاخيرة التي وجهها إليه:
- ذات يوم ، سئلنا عن الشخص الذي ينبغي إنذاره أم إعلامه عند موت أحدنا . وفوجئنا جميعا بهذه الإمكانية الحقيقية . ثم أدركنا أن الثائر الحقيقي "إما أن ينتصر أو يموت . وكثيرون سقطوا في طريق النصر الطويل . " الشيخ ياسين اختار الشيخ الشهيد نهج المقاومة حينما كان الكثير من التنظيمات و القادة و المناضلين يعلنون تعبهم و يأسهم من هذا النهج و يجادلون أنه لن يؤدي سوى إلى الحائط . لكن التاريخ أثبت صواب نهجه و رؤيته فانتهى كل من كان يروج للاستسلام إلى طريق مسدود . لقد تبين أن المقاومة هي الطريق المفتوح للمستقبل . ثم أنتشت هذه الفكرة في أرض العراق مقاومة وحّلت وجه المحتل الأمريكي . يقول الشيخ الشهيد في رسالته إلى مؤتمر القمة العربي :
- لا تنتظروا منا أن نستسلم أو أن نرفع الراية البيضاء، لأننا تعلمنا أننا سنموت أيضاً إن فعلنا ذلك، فاتركونا نمُت بشرف المجاهد ! إن شئتم كونوا معنا بما تستطيعون فثأرنا يتقلده كل واحد منكم في عنقه، ولكم أن تشاهدوا موتنا وتترحموا علينا، وعزاؤنا أن الله سيقتص من كل مَنْ فرط في أمانته غيفارا "عندما يفاجئنا الموت، فلنرحب به طالما أنّ صرخة المعركة قد وصلت ولو اذناً صاغيةً واحدةً وطالما امتدت يد أخرى للقبض على السلاح". المقاومة .... المقاومة هي الحل الشيخ ياسين في تصريح للشيخ الشهيد المجاهد أحمد ياسين قبل استشهاده بأيام قليلة إنه خرج من النكبة بدرس أثّر في حياته الفكرية والسياسية فيما بعد و هو أن الاعتماد على سواعد الفلسطينيين أنفسهم عن طريق تسليح الشعب أجدى من الاعتماد على الغير سواء أكان هذا الغير الدول العربية المجاورة أم المجتمع الدولي. غيفارا وبعد أسابيع قليلة من "رسالة الوداع" إلى كاسترو، كتب غيفارا رسالة إلى والديه يقول فيها: "منذ عشر سنين، رحلتُ للمرة الأولى عنكما، وما زالت "صفقة" الباب القوية ترنُّ في أذني. واليوم أرحل للمرة الثانية عنكما، وعن البلد الذي أحببت، وعن الزوجة والأولاد والأصدقاء، لأنّني شعرت الشعور ذاته الذي انتابني منذ عشر سنين تقريباً: إنَّ حبّي الحقيقي، الذي يرويني ليس حبّ الوطن والزوجة والعائلة والأصدقاء، إنّه أكبر من هذا بكثير، إنّه الشعلة التي تحترق داخل الملايين من بائسي العالم المحرومين، شعلة البحث عن الحرية والحقّ والعدالة". و يقول : "إنّني أؤمن بأنَّ النضال المسلّح هو الطريق الوحيد أمام الشعوب الساعية إلى التحرّر. ويعتبرني الكثيرون مغامراً". صقيع السلطة تبقى مشكلة السلطة التي هي مشكلة كل الثوريين . و يقول عنها غيفارا : "إنّ الثورة تتجمّد، والثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون على الكراسي ويبدأون بناء ما ناضلت من أجله الثورة. وهذا هو التناقض المأساوي في الثورة: أن تناضل وتكافح وتحارب من أجل هدف معيّن، وحين تبلغه، وتحقّقه، تتوقّف الثورة وتتجمّد في القوالب. وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمّدة داخلي". و يبدو أن الشيخ الشهيد قد تنبه باكراً لهذا الأمر ،فقال : (( نحن لسنا طلاب سلطة ولا نسعى لها تحت الاحتلال، نحن في مرحلة تحرر وطني.. إن الاحتلال هو المسيطر، ولا سلطة علي الأرض، بل احتلال...)) لقد وصلت صرخة المقاومة فآلاف الأيدي تقبض على البنادق و الثوار منتصبين، يملأون الأرض ضجيجاً، كي لا ينام العالم بكلّ ثقله فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين