انتظر المراقبون اكثر من نصف سنة لكي يشهدوا التغيير الوزاري المنشود في سوريا،لكنه جاء مخيبا للآمال.لقد جرى الحديث عن اتجاه لاحداث انقلاب شامل في العمل الحكومي،على خلفية الفشل في احتواء الزلزال الذي احدثته جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري.وسربت الأوساط المعنية بأن الرئيس بشار الأسد سوف يتخذ من المؤتمر القطري لحزب البعث الذي انعقد في حزيران/يونيو ،مناسبة لكي يقوم بالخطوة.وقد اشيع في ذلك الوقت أن سوريا مقدمة على تشكيل حكومة تعكس الجو العام، الذي يعبر عنه الاحتقان السياسي والاقتصادي، بعد الآثار السلبية لجريمة اغتيال

الحريري، وما تلاها من انتكاسات سريعة أصابت سوريا في الصميم،لاسيما عملية خروج القوات السورية من لبنان على نحو مهين.لقد اعتقد الكثيرون ان الحكومة الجديدة سوف تحاول التخفيف من الأضرار،وتواجه المرحلة بحس من المسؤولية،وسوف توجه أنظارها خصوصا، إلى تعزيز الجبهة الداخلية، لجهة النهوض بالاقتصاد والانفتاح السياسي،والوقوف أمام الاستحقاقات والآثار المترتبة على الملف اللبناني،وإيجاد حلول للمشاكل المستعصية ،وفي طليعتها تحسين معيشة المواطن. بقي السوريون يعدون الأيام والليالي، ويتحينون الفرصة والمناسبة لتشكيل الحكومة، التي قيل انها سوف تشكل فتحا، وسابقة في العمل السوري الرسمي،بل هناك من ذهب به الخيال حد تصويرها بانعطافة كبيرة، تحمل بصمات الرئيس الشاب بشار الأسد، الذي تمت احاطته بهالة من الدعاية التي تقول أنه محاصر بالحرس القديم الذي يقيده،ويحد من قدرته ونزوعه الى الاصلاح. وكتب الكثير من طرف المحيطين به عن العقبات التي تقف في طريقه،وانه ينتظر مؤتمر البعث بفارغ الصبر لكي ينظف البيت الداخلي، انطلاقا من الانهيار السوري في لبنان،وأن يفي بوعوده الاصلاحية في مايخص الاقتصاد وحقوق الانسان وقانون الأحزاب...الخ. لكن بشار خالف كل التوقعات والظنون، بقي وفيا لطريقته في ادارة البلد،والتي اتسمت بالتهور وسوء الحسابات،والارتهان لمصالح العائلة،وعدم القدرة على استيعاب وتقدير مستوى الأخطار المحيطة بسوريا من جراء مراكمة الأخطاء،و السير في طريق مسدود. هاهي التشكيلة الوزارية الجديدة التي صدرت أمس تؤكد مرة أخرى على استخفاف بعقول السوريين،وادارة الظهر لما يحدق بسوريا من مخاطر، تتمثل بالتحقيق الدولي المتعلق بجريمة اغتيال الحريري،والذي تشير المعطيات التي تسربت عنه أنه سوف يوجه التهمة بالمسؤولية عن الجريمة الى بشار الأسد شخصيا.فبدلا من أن يتعظ من دروس الأشهر الأخيرة،ويسعى إلى تخفيف الضغط الواقع على المواطن السوري،فهو ذهب في الاتجاه المعاكس،وقام بتعديل وزاري يزيد من تعقيد مشاكل السوريين،ويضاعف من قلقهم.فلا آفاق منظورة لمعالجة الوضع الاقتصادي المتردي،ولا رؤية سياسية واضحة لمواجهة الضغوط الدولية، واستحقاقات التحقيق في جريمة اغتيال الحريري،وخصوصا المحكمة الدولية.إننا إزاء تعديل وزاري ضعيف رغم انه تناول وزارات هامة،مثل الخارجية والداخلية والاعلام. إن التعديل الذي شمل الحقائب الثلاثة يعني في صورة مباشرة الاعتراف بالفشل،على الأقل،في مايخص السياسة الخارجية والاعلام،اذا أخذنا في الاعتبار أن حقيبة الداخلية ظلت شاغرة منذ مصرع غازي كنعان في حادث غامض.إن الفشل يخص في البداية السياسة الخارجية،وتمثل ذلك في عدم قدرة الوزير فاروق الشرع على قراءة أبعاد التغيرات والمؤثرات المحيطة بسوريا. بل إنه أساء التقدير إلى حد أنه لم يضمن تقريره الى المؤتمر القطري أي إشارة الى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، الذي ركز على عدم شرعية التعديل الدستوري اللبناني الخاص بالتمديد للرئيس اللبناني اميل لحود،وحل الميليشيات وانسحاب القوات الأجنبية.لم يشر القرار المذكور الى سوريا بالاسم،لكنه كان يعنيها أولا،لذا اسقطه الشرع من تقريره إلى المؤتمر القطري.وظهر تخبط السياسة الخارجية أكثر فأكثر، من خلال التعاطي مع التحقيق الدولي الذي قاده رئيس فريق التحقيق السابق القاضي الالماني ديتليف ميليس.فمرة تبدو سوريا منصاعة للتحقيق،ومرة أخرى رافضة للتعاون.وبين هذا وذاك يخلو الموقف من كل انسجام أو سياق أو حنكة ديبلوماسية.لقد ظهر الارتباك الديبلوماسي على أشده خلال الفترة التي تلت اغتيال الحريري،وكانت المواقف تأتي متأخرة جدا،و بعد أن تفقد مفعولها.ومن التجني بمكان رمي مسؤولية التردي على ظهر الشرع وحده. صحيح أنه رجل تعوزه المهارة الديبلوماسية ،وسعة الخيال الذي يتطلبه هذا الميدان،إلا انه ضحية مباشرة لسلوك الموظف المطيع الذي يغلب رضى المسؤول الأول، على المصلحة العليا للبلاد،فهو بدلا من أن ينصح بشار الأسد بضرورة تجاوز المطبات الكبيرة(هل كان يراها؟)،آثر الاحتفاظ بمنصبه،يتملكه خوف من أن تتحول النصيحة إلى نقمة عليه. ليس بعيدا عن فاروق الشرع في تبديد رصيد سوريا لدى الرأي العام، يقع وزير الاعلام مهدي دخل الله،الذي جعل من نفسه موضوع تندر في وسائل الاعلام العالمية،حتى سماه البعض:" مهدي دخل الله عليه".كأن طريقته المنفرة في عرض الأحداث لاتكفي وحدها لانفضاض الناس من حول سوريا،فأضاف اليها سلسلة القوانين التي تحمل رؤية بشار الأسد ،التي استغرب المراقبون في الداخل والخارج صدورها عن شاب تعلم في بريطانيا،واطلع على تطور وسائل الاعلام في الغرب.لقد كان مخجلا على هذا المستوى ألا تشهد سوريا طيلة هذه الفترة الترخيص لوسيلة اعلام محلية مستقلة،بما في ذلك موقع انترنيت،بل على العكس لقد نشطت أجهزة المخابرات الاعلامية في ميدان التجسس في مايخص الاعلام الحديث،والبحث عن السبل الكفيلة لمنع المواطن السوري من الوصول الى المعلومات.ومن المعروف اليوم أن الدول تخصص موازنات مالية ضخمة من أجل ايصال المعلومات للمواطن،لكن مايحدث في الحالة السورية هو العكس،حيث تنشط الاجهزة لحجب كل موقع الكتروني،ومنع كل صحيفة تتطرق للوضع السوري.

إن معضلة سوريا الأساسية اليوم هي في انها البلد الوحيد ،الى جانب زيمبابوي، الذي ظل يغلق نوافذه امام رياح التغيير،بل والانكى من ذلك،انه يسير من سيئ الى أسوأ.ولوكان حكام دمشق يرون الصورة على نحو مختلف،لكانوا أراحوا فاروق الشرع على الأقل،ولم يرفعوا من مقام فشله،ويكلفوه الاشراف على تنفيذ السياستين الخارجية والاعلامية.ويدرك السوريون اليوم أن سوريا تعيش حالة حصار وعزلة على المستويين العربي والدولي،ويعرفون ان السبب في ذلك هو أخطاء السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة.فهل يعقل أن يبقى الموقف على حاله من دون تغيير،لا بل يتم الاحتفاظ بالشرع بدلا من وضعه جانبا هو الفريق الذي عمل معه؟. لقد تأكد اليوم ،بمقتضى التعديل الوزاري الجديد،أن الأفق العام أمام سوريا مسدود،لأن الذين يديرون الموقف أضعف من أن يستمروا في تحمل المسؤولية ،فهم من جهة برهنوا على عجزعن الخروج من سياسة التخبط على المستويين العربي والدولي،ومن جهة أخرى هم لايرون أبعد من مصالحهم الذاتية.من هنا فإن التعديل الحكومي الجديد ينطبق عليه المثل الشعبي السوري:طبخة بحص.وهو لن يغير شيئا في واقع الأمر القائم،بل يؤكد الحاجة الى رحيل الفريق الحاكم من الرأس حتى الذنب .