مصادفة في منتهى الغرابة، وهي انه مثلما هنالك للبعث العراقي وزير اميركي سابق هو المحامي رامزي كلارك، فإن للبعث السوري شخصية سياسية اميركية مرموقة من العائلة نفسها هو ويسلي كلارك. هذه المصادفة يمكن تقديمها على النحو الذي يؤكد التوضيح وجه الغرابة فيها. فبالنسبة الى كلارك الصدَّامي نشير الى ان علاقة صداقة نشأت بين رامزي كلارك والرئيس صدَّام حسين في زمن الحصار الذي فرضه الرئيس جورج بوش الأب على العراق بعد حربه لتحرير الكويت والذي ورثه الرئيس بيل كلنتون واورثه ايضاً الى الرئيس جورج بوش الإبن بعدما كان النظام الصَّدامي غدا على أهبة الخلل. وكان رامزي كلارك من جملة شخصيات اميركية واوروبية، ابرزها النائب البريطاني جورج غالوي والروسي جيرونوفسكي، تتردد على العراق وتبعث بعض الحيوية المعنوية في شرايين النظام الصدَّامي التي بدأت تنشف بالتدرج. وفي زياراته كان رامزي كلارك يدلي ببعض التصريحات التي يريد من ورائها القول ما معناه انه يمثل ضمير الشعب الاميركي مع ملاحظة ان هذا الضمير الذي لم يتحرك ما فيه الكفاية لدرء تداعيات الحصار في زمن بوش الأب بقي على الحال نفسها طوال سنوات رئاسة كلنتون انما من دون ان تفتر همة كلارك البعثي العراقي الذي كان بدأ يقترب من سن الشيخوخة. وحيث ان الرجل ليس عنده ما يفعله على صعيد المؤازرة سوى الذي فعله فإنه بعدما اسقطت القوات الاميركية النظام وتلى ذلك اعتقال الرئيس صدَّام مع كبار رموز نظامه وزجهم في السجن الخاص بهم في محيط مطار العاصمة مقدمة لمثولهم امام «المحكمة الخاصة»، سجَّل وقفة مؤازرة ملحوظة تمثلت في انضمامه الى مجموعة من المحامين العرب والاوروبيين.

لكن هذه المجموعة كانت تفتقر الى اميركي وجاءت مشاركة رامزي كلارك بقية المحامين المشار اليهم في الدفاع عن صدَّام المقيَّد بالاغلال تجعل هيئة الدفاع ذات طابع دولي، وهو ما من شأنه ان يفيد معنوياً، ذلك ان وسائل الإعلام الاميركية والاجنبية عموماً لا تستوقفها هذه المسألة لكن الجموع الصدّامية كانت ترى العكس وتعتبر أنه ما دام هنالك اميركي يدافع عن رئيسهم فهذا يعني ان للرئيس الواقف امام المحكمة انصاراً داخل اميركا نفسها التي خاضت الحرب ضد عراقه واسقطت نظامه. وهذه حال الرأي العام عموماً في دول العالم الثالث.

اما بالنسبة إلى كلارك البشَّاري فنشير الى انه في الوقت الذي يعيش النظام ازمة حادة مع المجتمع الدولي وازمة اكثر حدة مع الادارة الاميركية، ولا يجد هذا النظام من يرد عنه موجات القذائف الكلامية الاتهامية من شخصيات فاعلة في القرار الاميركي، تأتيه النجدة يوم الاربعاء 1 فبراير (شباط) 2006 ولأسباب غير مفهومة دواعيها من الجنرال ويسلي كلارك المرشح السابق للانتخابات الرئاسية الاميركية الذي قال في كلمة ألقاها امام «مؤسسة اميركا الجديدة» في واشنطن حملت عنوان «حال الاتحاد الحقيقية ـ 2006» وتناول فيها الموضوع النووي الايراني والعلاقة السورية ـ الايرانية عموماً «إن سورية اليوم تمثِّل فرصة تاريخية للولايات المتحدة، فبدلاً من الاكتفاء بتهديدها يجب ان نتحدث مباشرة مع بشَّار الأسد ونشجعه على وضع أُسس الانفتاح الاقتصادي والسياسي والانتقال التدريجي ووقف تسلل المتمردين من سورية الى العراق وإنهاء رعاية المؤسسات الارهابية التي تدعمها ايران في مقابل تثبيت حكمه خلال التحقيقات التي تجريها الامم المتحدة. ومثل هذا الامر سيحقق لنا تقدماً اكبر في مواجهة سعي ايران الثابت لامتلاك سلاح نووي...». ويبدو كلام كلارك البشَّاري منصفاً وموضوعياً، بالمقارنة مع كلام اركان الادارة الاميركية، بدءاً من الرئيس بوش الذي صنَّف في «خطاب الاتحاد» يوم الاربعاء النظام في سورية بأنه «غير ديمقراطي مثله مثل النظام في بورما وزيمبابوي وكوريا الشمالية وايران»، مروراً بالتصريحات الحادة لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد وعدد من اعضاء مجلسي النواب والشيوخ وصولاً الى مدير الاستخبارات القومية الاميركية جون نيغروبونتي الذي قال في اليوم التالي (الخميس 2 - 2 - 2006) كلاماً في منتهى الخشونة جاء فيه «ان النظام السوري قد يواجه، نتيجة مواصلة التدخل في لبنان، تحديات داخلية وضغوطاً متعددة من شأنها ان تطرح اسئلة حول قدرة بشَّار الأسد على القيادة والحكم وان تؤدي الى انهياره، وذلك يتصل في المحصلة النهائية بالتحقيق الذي تجريه الامم المتحدة في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري...». ولكن نقطة الضعف في كلام كلارك البشَّاري أن الرجل شأنه شأن كلارك الصدَّامي لا يملك من مقومات التأثير سوى إبداء الرأي وذلك لأن اي صفة خارج المنصب الرسمي في الادارة، كما نيغروبونتي على سبيل المثال، او عضوية الكونغرس او مُلْكية مؤسسة اعلامية كبرى، لا يكون لها اي فعالية... أي بما معناه إن صفة مرشح سابق لرئاسة الجمهورية لا يمكن تصريفها في بورصة التأثير في صناعة القرار او تعديل ما هو قائم. اما على صعيد الرأي العام المحلي السوري فإن كلام كلارك البشَّاري هو مثل كلام كلارك الصدَّامي من حيث ان قطاعات من الرأي العام ستقول وسط زحمة حالات التأزم التي يعيشها النظام السوري ما معناه ان هنالك من كان يمكن ان يترأس اميركا يدعو الى الأخذ باسلوب الحوار مع رئيسنا.

ولو ان كلارك البشَّاري ومِنْ قبل كلارك الصدَّامي كانا من المحسوبين على بعض اهل القرار في الادارة البوشية لجاز الافتراض بأن ما يفعله الإثنان يندرج ضمن سيناريو تقضي اللعبة السياسية بأن تتم ممارسته وفق قاعدة تعدد الادوار بمعنى ان طرفاً يتشدد وآخر يتودد وفي النهاية تصب النتيجة في مصلحة المايسترو الذي يقود اللاعبين. ويبقى ان هذا الذي يحدث من جانب شخصيتين اميركيتين غير عاديتين نحو البعث الصدَّامي والبعث البشَّاري لا يحدث ازاء ايران التي تتحدى الادارة البوشية ويسجل رئيسها محمود احمدي نجاد اعلى درجات التحدي، مخاطباً في اكثر من مناسبة حكّام اميركا واوروبا قائلاً «ان ايران ليست في حاجة الى الغرب بل انكم انتم الذين تحتاجون ايران ويجب ان يُنزع سلاحكم بسبب الحروب التي اثرتموها في العالم...»، ولا يحدث ازاء فنزويلا الذي وصل التحدي برئيسها هوغو تشافيز الى درجة التلويح بإغلاق مصافي النفط الفنزويلية في الولايات المتحدة وبيع النفط المخصص للأسواق الاميركية الى جهات اخرى اذا قطعت اميركا العلاقات مع بلاده، وهذا بعدما كان في السابق عرض تقديم المساعدات الى الفقراء والمشردين فيها وإلى التحريض عليها في دول اخرى من القارة اللاتينية وإلى المضي في إبرام صفقات سلاح ابرزها واحدة مع اسبانيا لا يريد الرئيس بوش إتمامها... فإلى التجريح الشخصي متمثلاً بقول تشافيز في خطاب له لمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لتوليه الحكم عبر انقلاب عسكري «ان سلوك الرئيس الاميركي الامبريالي القاتل الفاشي لا حدود له. اعتقد أن هتلر سيكون طفلاً رضيعاً اذا ما قورن بجورج بوش...». ومن غرائب الصدف ان التحدي النجادي والتحدي التشافيزي اللذين اشرنا اليهما، حدثا في يوم واحد هو الاثنين 6/2/2006.

اما لماذا لا يحدث مع ايران وفنزويلا فلأن البعث الصدَّامي والبعث البشَّاري لم يتجاوزا الخط الاحمر في التعرض لاميركا بينما ذهب الايرانيون منذ ان وصل نجاد الى الحكم بعيداً في هذا الشأن... وذهب تشافيز أبعد بعدما قررت الادارة الاميركية قبل ثلاث سنوات قلب نظام حكم تشافيز المتربع على كرسي الرئاسة منذ اربع عشرة سنة قد تتلوها اربع عشرة اخرى يكون خلالها بوش الإبن ورئيسان لاحقان غادروا البيت الابيض. والله اعلم