بشار العيسى

في معرض تعليقه على اتفاقية أوسلو قال الرئيس السوري حافظ الأسد قولا، غدا مثلا، بالحق أم بالباطل،" أن كل بند في اتفاق أوسلو يحتاج إلى اتفاقية". اليوم، يبدو الأمر وكأنه قد قال ما قال في اتفاق أوسلو، وهو يقصد إعلان دمشق لبعض أحزاب المعارضة السورية وشخصيات وطنية منتقاة، من ذوي الحظوة لديهم. لا بل نضيف، في أن كل فكرة، وكل جملة، في إعلان دمشق تحتاج وتستدعي إعلانا لتوضيحه وجمع المفرد المفرق من حوله.

أن لم يكن اللقاء الأخير بين حركة الأخوان المسلمين ممثلة بالمراقب العام، الأستاذ علي صدر الدين البيانوني، والسيد عبد الحليم خدام، المسمار الأخير في نعش إعلان دمشق فهو في حده الأدنى تعبير عن أن الإعلان ولد معاقا ولن يستطيع لآلياته الراهنة، تجاوز موته السريري.

منذ الإعلان عن إعلان دمشق، لم تهدأ المباراة بين الناطق باسمه حسن عبد العظيم، والشارح لبنوده ميشيل كيلو، وتوضيحات اللجنة المؤقتة الوصية على الموقعين عليه، متاهاته، في إضافة تفاصيل وتفاصيل التفاصيل لما ورد وما لم يرد في الإعلان سواء لجهة الموقف من السلطة السورية فهو تارة لتغييرها لإقامة النظام الوطني الديمقراطي، باعتبار أن عملية التغيير قد بدأت حسب الإعلان، وتارة أخرى هو، الإعلان، للدفاع عن النظام/الوطن، بالشد من أزره في وجه الهجمة الأمريكية/ الصهيونية على النظام وقطع اليد الممدودة للخارج إذا كانت لكمال اللبواني ولا بأس إذا كانت من أسرة إعلان دمشق المقربين.

ترطيبا لخاطر الأصدقاء/ الزملاء فيالمؤتمر القومي العربي في الولايات المتحدة، كان لا بد من تفهم مخاوفهم تجاه الالتباس في تجاهل "الإعلان" للأخطار المدمرة التي تهدد أول ما تهدد كثيرا من مطالبه المحقة، والتي قد يستغل أصحابها والمناضلون من أجلها مطية لتهديد الوطن السوري دولة وشعبا وعروبة... إذ أنها تتلاعب باستخفاف بمصير الوطن السوري، وتتيح لأعدائه مطايا وأحصنة طروادة لتقويضه ونزع عروبته مرة وإلى الأبد، وتحويله إلى كيس أقليات يحمل سمات مفدرلة، تحرسه كردية سياسية تهدد بإلحاق الشمال الشرقي بالشمال العراقي إن لم تبلغ مراميه". حسب ما ورد في رسالة المؤتمر إلى حسن عبد العظيم وميشيل كيلو وعبد المجيد منجونة ورجاء الناصر وفائز الفواز وعبد الغني عيا ش وغيرهم. الرابط : http://www.syriamirror.net/modules/...

دفعت تلك الرسالة القائمين بأمر" إعلان دمشق"، أن يسيـّروا السيد المحامي عبد المجيد منجونة، القيادي في تنظيم الاتحاد الاشتراكي/حسن عبد العظيم، القائد لإعلان دمشق وللتجمع الوطني الديمقراطي، من خلف وفد اللجنة التنفيذية لمؤتمر القومي العربي، إلى لقاء التبرك بتوجيهات الرئيس بشار الأسد وتعليماته لمواجهة الهجمة الأمريكية على هديها. فهل رأيتم معارضة منضبطة كهذه بالمكاييل السوقية، نقصد السوقية من السوق حيث البيع والشراء بالتراضي.

أتت حادثة انشقاق السيد عبد الحليم خدام، والتصريحات التي أدلى بها السيد وليد جنبلاط لجهة النصح على المعارضة السورية باستحالة تمكنها لوحدها من عملية تغيير سلطة كتلك السورية دونما دعم خارجي، ليس بالضرورة تدخلا عسكريا، فرصة للناطقين باسم إعلان دمشق، لإطلاق تصريحات بالجملة، لا تصب إلا في خانة، جر المياه إلى طاحونة السلطة التي يريدون تغييرها في مكان آخر لا بل وصل الأمر بالسيد رياض الترك* القيادي في حزب الشعب العضو المؤسس لإعلان دمشق، طلب استقالة رأس السلطة على القناة التلفزيونية المستقلة، لكنه بعد شهر من ذلك، عاد، في برلين، وأبدى استعداده على القبول ببقاء هذه

السلطة عشر سنوات أخرى على أن يمد يده للسيد خدام الملوث بالفساد وجرائم السلطة أكثر من بشار الأسد على حد تعبيره، رافضا في الوقت ذاته نصائح السيد جنبلاط.

توضيحات غير واضحة

بعد إشهار التوافقات المشتركة مع المنظمة الآشورية التي اجتهد الإعلان في ترقيع ما لم يرقع بعد فيه. نحن اليوم أما توضيح جديد للجنة المؤقتة لإعلان دمشق: الرابط: http://www.arraee.com/modules.php?n...

لا نعرف المناسبة ولا المبررات التي استدعت أن تتصرف اللجنة المؤقتة لتوضيح ما لم يوضح بعد، ولمقايضة من يتم التوضيح الجديد وبأي حق تتصرف اللجنة وكأنها مالكة الأطراف الموقعة والمنضمة على والى الإعلان، وعلى أية معايير تتصرف هذه اللجنة المؤقتة التي تأخذ على أجهزة السلطة لا ديمقراطيتها في حين أنهم يطيحون بكل المعايير الأخلاقية تجاه الأطراف وتجاه نص اجتهدوا فيه ليكون نصا مقدسا وها هم يتصرفون به وكأنه ملهاة لا أكثر ولا أقل خاصة وأن التوضيحات هذه تنسف بعضا من أساسيات الإعلان.

أهي من تداعيات نخوة قومية متأخرة ؟ أم أنها آلية يتفننون بها نقل الماء إلى طاحونة السلطة كما عودنا البعض في العشرين سنة الأخيرة ؟ تفتيت قوى المعارضة بإشغالها في الاختلاف على المتفق عليه حتى لا ينتقلوا إلى الاتفاق على المختلف عليه. منذ البدء قلنا أن الإعلان بالشكل والصيغة التي رأت النور لم يكن الغرض منه أن يصبح وسيلةـ ومرشدا للعمل السياسي، في مرحلة معينة تتطلبها عملية تغيير السلطة القائمة، وأنهم غسلوا الأيدي، أخيرا، من إمكانية إصلاحها أو التصالح معها بعدما تركت يدهم الممدودة خمس سنوات تلهو في الفراغ المكشوف.

لقد أملت بعض الأطراف الجادة، من الموقعين عليه أو الذين انضموا إلى الإعلان، فيه مرشد عمل لتأطير أوسع وأشمل للقوى ذات المصلحة في التغيير الوطني الديمقراطي، لجر الكتلة الشعبية إلى ساحة الفعل السياسي من أجل عملية سياسية لم تعد تتحمل التأجيل ورأت في الإعلان بادرة خير في أن تتجاوز قوى عجزها ومصالحها الضيقة، لاستعادة للوطن على أنقاض السلطة والنظام القائمين المستمرين بالقمع والفساد. لكن كل الوقائع التي رافقت الإعلان عن الإعلان وبالفلسفة التي بها صاغت بنوده باعتباره نصا مقدسا وكأنه مقدمة تشرع لدستور أثار الكثير من الإشكالات التي كان يمكن تفاديها لصالح صياغة نص سياسي يرتقي إلى مرشد عمل يقول بالمشترك الوطني العام ويتجاوز الحزبية العقائدية إلى الحيوية السياسية الميدانية. أن اللولحة، التي تتلولح بها اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق يصدق فيهم تصوير السيد رياض الترك، في مشهد التدافع أمام المرآة يمد كل واحد فيهم رقبته إلى أقصى ما يستطيع ليبرز أكثر من غيره في مرآة الإعلان الذي غدا هدفا بحد ذاته.

تصنف في خانة الاحتيال على النفس والآخر المقدمة التالية التي مهدت للتوضيح المشار إليه: " لم يمض سوى زمن قصير على إطلاق إعلان دمشق، حتى خلق حيوية عالية في الوسط السياسي السوري...." وهي إن دلت على شيء فعلى البؤس الذي يتم التفنن به على تغطية ضعف طبيعي لسيرورة عمل لا هدف جدي له، لذا فهم يستجدون بالقنطار والمكيال وعلى كل الجبهات دعما لا يغني ولا يسمن: "... هذا ندعو كل فعاليات المعارضة ( في الداخل والخارج ) التي تجد نفسها في صف الإعلان أن تنضم إليه لتتحول إلى موقع الفعل من داخله".

وما البنود الأربع التوضيحية المضافة مؤخرا، سوى نوعا من الكحل الذي يراد به التغطية على العمى. فالغرق في التفاصيل التي أماتت إعلان دمشق قبل ولادته، ناجم عن ذلك التطاول للرقاب أمام مرآة رياض الترك، للعصبوية الإقصائية التي أدمنها البعض واستطابت للبعض الآخر.

أعادت هذه التوضيحات إلى الأذهان مجددا الصياغات والآليات التي ترافقت وانتهت إليه صيغة نشوء وجمود التجمع الوطني الديمقراطي سنة 1979، عند بيانه اليتيم، والتضحيات التي تحملها طرف واحد وحيد من أطرافه نيابة عن الجميع. لقد تحكمت في إعلان الإعلان جملة من العوامل لا تمت بصلة لإرادة الموقعين عليه، الذين توهموا ـ في لحظة من الزمن ـ عن ضعف بصيرة،: أن تغيير النظام غدا قاب قوسين أو أدنى، أوحت بها الضغوط الأمريكية اللفظية على النظام إلى يومه هذا، التي لم يحسنوا قراءتها، تواقتت و موعد تقديم المحقق الدولي ديتليف ميليس تقريره إلى مجلس الأمن، لجهة ربط التهمة في مقتل الحريري بالنظام السوري.

أما مهزلة المهازل فهي : رسالة الشكر الاقصائية بتوقيع اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق : " إن اللجنة المؤقتة لإعلان دمشق تنوه بالجهود البناءة والمواقف الشجاعة لكل من السادة الواردة أسماؤهم ، من أبناء وطننا سورية ، الذين أيدوا " إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي " ودعموا انطلاقته ، من أدباء ومفكرين وسياسيين وشباب مهتمين بالشأن العام وعاملين على إنقاذ البلاد من مآزقها ، ومن أجل إقامة النظام الوطني الديمقراطي فيها...الخ .".

لا نفهم بأي حق تنال اللجنة المؤقتة من حق أولئك الذي أعلنوا ـ حسبما ما فهمنا بصريح العبارة ـ انضمامهم إلى إعلان دمشق من داخله مؤملين أن ينقلوا إليه جهودهم، صغرت أم كبرت، المتواضعة في معركة التغيير الديمقراطي التي أعلن الإعلان تصديه لها ولم يكونوا في ذلك ينتظرون لا حمدا ولا شكورا، إلى أن أنزلتهم اللجنة المؤقتة المرتبة الثانية، الدونية وكأن انضمامهم أتى في صيغة خدمة لأهل الإعلان لا غير، ولا أسجل هذا لأستصدر منهم توضيحا جديدا يوضحون به ما التبس علي أو على غيري.

والحالة هذه، ما الفرق بين السلطة والمعارضة السوريتين ؟ أن أكبر الأخطار التي تتهدد سورية، هي، باعتراف الجميع، ذلك الدمار الذي ألحقه النظام في المجتمع ولا يزال، بتحويل الوطن بمن فيه إلى مزرعة فساد وملكية خاصة، والتهديد ـ أيضا ـ هو محاولة بعض المعارضة احتكار العمل المعا رضي، بالتعامل معه وكأنه ملكية خاصة، وحديقة خلفية لمزرعة السلطة، وهي، أرادت أم لم ترد تعرقل بهذه العقلية المستلبة عملية تجديد المجتمع لتعبيراته السياسية بحرية من خارج معسكر القوى الحزبية العاجزة عن إصلاح البيت الداخلي، وهي منذ أكثر من ثلاثين سنة لم تقم بمراجعة نقدية جدية واحدة لتخلف وتماهي تركيبتها الإدارية، مع مصالح السلطة وسقوفها الأمنية، كما يجب القول أن لا حركة واحدة من هذه المعارضة كردها، وعربها، يسارها، وقومييها، لم تمارس النقد الذاتي الذي يقيم تجربتها والقائمين على أمر هذه التجربة وان كنا نحفظ للبعض دون غيره تضحيات أفراده، الكبيرة، والتي ينحنى لها. لكن ذلك لا يعفي القيادات الإدارية من المسؤولية الأخلاقية في افتقادها للشجاعة الأدبية للمواجهة مع الذات بالقطع مع سيرورة ثلاثين وأربعين سنة من عدم افتراقها عن أحزاب السلطة إلا لجهة تقديم الضحايا المجانية.

أن البرامج المتخلفة، غير العملية، المحشوة بالبغضاء التي تتمترس من خلفها الأحزاب هذه، تجاه الآخر وانصرافها عن العمل السياسي باعتباره حركة في الميدان، وافتقارها إلى الإبداع في الرؤى التنويرية والاكتفاء بالتطاول أمام المرآة لينظرهم رب عمل ما يستفيد من خدماتهم. فالمعارضة المتبرجة بإعلان دمشق، أثبتت وتثبت كل يوم أنها فئوية مثل النظام واستبدادية مثله، وهي تفتقر إلى الشفافية في خطابها وسلوكها وهي أسيرة عقلها وعقائدها الحزبية واستبدادية قياداتها، كما هي السلطة أسيرة سياساتها الأمنية، والمعارضة هذه، في طيفها القومي العربي أشد عنصرية من النظام تجاه المسألة الوطنية الداخلية قوميا ودينيا و أكثر تخلفا وخروجا على المنطق والعقل والتاريخ.

ولنا في ما ذهبنا إليه شهادة من السيد عمار القربي على صفحات إيلاف الإلكترونية: وقال قربي إنه استنتج بعد لقاء واشنطن إن "الأمراض الذاتية التي تعاني منها المعارضة السورية في الداخل تعاني منها المعارضة في الخارج من إقصاء للآخر وديكتاتورية في الرأي وفردية وذاتية في العمل حيث اقتصر الحضور على أصحاب الطيف الواحد"، الأمر الذي اعتبره يعيق توحيد الخطاب إضافة إلى الأمور غير المتشابهة التي يمر بها الطرفان. وأشار قربي إلى أخطاء حصلت في الدعوات الموجهة إلى الشخصيات للمشاركة في اللقاء، إذ لم يدعوا المؤتمر جميع أطراف المعارضة ولم يوجه دعوة لأي من أطياف الحركة الكردية السياسية في الداخل والخارج، الأمر الذي لم يجد له مبررا إذ ان معارضون أكراد تواجدوا في ذات الفترة في واشنطن وكان سهلا الاتصال بهم ولم يحدث ذلك وجاء الوفد الكردي دون توجيه دعوة إلى المؤتمر الصحافي الختامي يوم الخميس الماضي........ إن غياب القضية الكردية من البيان الختامي كان قصورا كبيرا أتمنى ألا يكون مقصودا وخاصة وأنني سمعت مداخلات في المؤتمر لا تختلف عن خطابات بعض البعثيين السلطويين في سورية حول هذه القضية. راجع الرابط: http://www.fromallangles.com/newspa...

أن الأحزاب التي تشكلت منها أطراف إعلان دمشق تغيب عن برامجها وحركتها وطموحاتها الكتلة الشعبية وهي تستغبي الناس ونفسها حينما تتخيل أن بإمكانها تغيير هذا النظام دون الاستعانة بالكتلة الشعبية، وهم بعيدون عن الشعب، ونقصد الكتلة الشعبية المشدودة إلى التغيير السياسي حاضنة أي عمل تغييري، قدر بعد النظام عنها، وهم مخطئون في تصور أن مبادراتهم الصوتية قادرة على اختراق الكتلة الشعبية بغير استقامة ميدانية وبغير مصارحة يتلمس المواطنون ونخبهم، الصدق في كلامهم. وبغير جرأة في المواجهة مع نفاق خطاب الطهارة الوطنية لجهة التعامل مع الخارج الدولي ، بالتخلي عن الردح القومي المتعصب الذي يهيج الغرائز ولا يركن إلى حقائق إدارة الكون ومجتمعاته لمصالحه وعلاقاته، ودون الارتكاز على انشداد دولي يقطع بين النظام وغرفة الإنعاش الدولية، ستستمر طبخة البحص التي أولم لها مدراء إعلان دمشق.

أن صيغة انتماء سوريا الدولة إلى المنظومة العربية، كانت وستظل أكثر عقلانية وحضارية، من المهروسة الواردة في البند الثاني من توضيحات اللجنة المؤقتة: "... إن سوريا جزء عضوي من الأمة العربية ...". كيف تصبح دولة، كيان جغرافي، جزءا عضويا من الأمة العربية، تشكيلة اجتماعية سياسية، وسيأتوننا بعد أيام بتوضيحات، تجعل من إسلاميتها جزءا عضويا من الأمة الإسلامية... وهلم جرا.

أليس من العقلانية السياسية بمكان الاكتفاء، لإرضاء الذات القومية، المهزومة، المحطمة بفعل الاستبداد، والاحتلال، القول بانتماء الشعب العربي في سوري، إلى الأمة العربية، وحفظ حق الجماعة الكردية انتماءها إلى أمتها الكردية مع التأكيد على شراكة الجميع بالتمايز الايجابي الإثني، الديني، المذهبي، في الوطن السوري المشارك للمنظومة العربية وفي الفضاء الشرق أوسطي وعالم المتوسط وبلاد ما بين النهرين، دون الغرق في هيجانات عنصرية قومية من أين أتت من الكردي أم من العربي؟ هيجانات تحيل الثقافة القومية الى انغلاق مرضي مكانه المصحات العقلية وليس فسحة الأوطان التي تنعدم فيها نقاوة الدم والعرق الا في عقول تائهة. آن للعربي أن يستمع الى صرخة الكردي بالعقل كما آن للكردي أن يعرف دليله إلى عقل العربي بالحوار ودروس التاريخ، لا إلى مراكزه العصبية المشدودة الى أقصى توترها. فالكردي المستلب بالاستبداد والعنصرية ليس له إلا شريكه مواطنه العربي المستلب بالهزائم والقهر والاستبداد والفساد والخوف وعليه أن يخرج من حذره المبالغ الى رحابة التاريخ ومتع التعرف الى الجغرافيا ونشوء وتطور الخرائط ومسار الهجرات والاستيطان إن هي إلا أقوام وممالك سادت وبادت.

إن اسطوانة، دولة المواطنة، والمساواة بالديمقراطية بين المواطنين لا تغني ولا تتناقض مع حق الآخر الكردي بوجوده القومي المتميز بثقافته وتاريخ وامتداده وأرضه خارج حدود الوطن السوري المقدس عنده قدسيته لدى جاره العربي، قدسية تشترط الاعتراف المتبادل بهذه الحقيقة التاريخية الجغرافية السياسية وهي أن حدود سوريا الوطن الحالي للجميع ترسيم استعماري لخرائط ومناطق نفوذ، التي أملتها مصالح المستعمرين وهي لم تراع التوزع الطبيعي الدقيق للجماعات والأعراق بفضاءاتها التاريخية في الجغرافيا المتحركة. ولاستيعاب هذه البديهية البسيطة، لا يحتاج مخضرم مثل السيد رياض الترك، ذخيرة أكاديمية وهي لم تغب عن كثيرين غيره، وهو الأدرى أن سياسات الإسكان العثمانية لجأت في أوقات من الزمان، واستطرادا نقول، بدأتها أصلا، الدولة الإسلامية الأولى والأموية وكذلك الأيوبية وغيرها، ونقصد بها إسكان قبائل وبيوتات وأقوام على ثغور وفي منابع التربة الخصبة مكافأة، وعقوبة، وحاجة إمبراطورية، وهي السياسة عينها التي زرعت الملايين من الأقوام التركية في البوسنة وكوسوفو وألبانيا وبلغاريا كما هي نفسها التي وطنت أسر كردية في دمشق وبعلبك والقاهرة كما وطنت العشائر العربية في الديار: مضر، وربيعة، وبكر، كما نقلت وأسكنت أسر ألبانية، وتركمانية وشركسية وشيشانية في أكثر من بقعة ومدينة في سوريا اليوم، ومنها أسرة السيد الترك بالضبط. فمتى سيتجرأ رجل شجاع مثل رياض الترك بإرثه الشيوعي وتاريخه النضالي، على التحلي بفضيلة الاستماع إلى المواطن أو المثقف أو السياسي الكردي ليتعرف منه سعة وتشعب وغنى وطنه السوري الذي ربما وجد شيء منه خارج دفاتره الحزبية ولا نكلفه عذاب الاستماع إلى عذابات مئات آلاف الفلاحين الكرد المجردين من كل شيء لدرجة يجعل الصمت عن ما لحق بهم جريمة بحق الإنسانية والقيم.أليس الأحرى بمن يطالب السلطة الاستبدادية " رد المظالم إلى أهلها " أن يكف عن الناس ظلمه وظلماته السياسية والفكرية والعقائدية؟

فكم من المآسي نحتاج بعد؟ وكم من العذابات تنتظر شعوبنا ؟ وكم من السجون تلزمنا وضحايا أقبية التعذيب والحرمان؟ وكم من المنافي تتطلب أيضا وأيضا؟ وكم من الدمار أمام وطننا المغرق بفساد السلطة وجرائمها كل ساعة ؟

كم من المياه ستجري في فرات ودجلة والخابور والعاصي؟ حتى يتخلص الحزبي فينا من عصبية الزمرة لصالح مشروع الوطن الإنسان، الإنسان الثقافات، الثقافات الشعوب ؟