من هو التيار الأول ... أو حتى الثاني حتى يظهر التيار الثالث؟! فهذا السؤال لا يخرج من عمق البحث عن مفهوم جديد للحياة السياسية، بل من أسئلة مشروعة ظهرت بعد سلسلة من المواضيع حول التيار الثالث، وظهر وكأن الموضوع بأكمله لون من الغموض المتعمد للبعض، أو حتى هروب من تحديد المصطلحات بشكل كامل.

إن التيار الثالث ليس مصطلحا جديدا بالطبع لكنه كان بشكل دائم يأتي وكأنه محاولة توفيقية، وهذا ما قام به توني بلير رئيس الوزراء البريطاني عندما كان زعيما لحزب العمال، معتمدا خطا اقتصاديا يسعى لخلق انتقال من مرحلة رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر، رغم انها كانت خارج الحكم في تلك الفترة، نحو اقتصاد أكثر اعتدالا. وبالطبع فإن الظروف التي تحكم طبيعة أي تيار جديد تملك خصوصية الزمن الذي ظهر فيه، فتوني بلير أراد بالطريق الثالث مسارا ليس اشتراكيا ولكنه في نفس الوقت يخرج من إطار "حزب المحافظين" ... فالمسألة كانت بالنسبة له أكثر من مسألة مزيج لأنه اعتمد:

أولا – عدم الرفض للمرحلة التي سارت عليها ثاتشر، وهذا الأمر ليس اعترافا بصوابية ما قامت به أو اعتباره خطأ، بل لأن التعامل مع النتائج يشكل الخطوة الأولى لتحقيق سياسة جديدة. ثانيا – بناء سياسة اقتصادية تحاول تدارك النتائج بخطوات جديدة كليا وليس فقط بمعالجة ما نجم عن المراحل السابقة.

عمليا فإن الطريق الثالث الذي أراده بلير في إيجاد تحولات اقتصادية يشكل مسارات وليست نموذجا، لأنه من الناحية العملية لم يكن مضطرا إلى الخوض في صراع حاد ما بين طرفين: سياسة حزب المحافظين الاقتصادية كطريق أول، والمسار التقليدي لحزب العمال كطريق أول. لذلك فإن احد التعليقات التي جاءت من أحد أعضاء حزب المحافظين بأن بلير العمالي قدم سياسة للمحافظين ترضيهم أكثر مما قدمه قادة الحزب أنفسهم.

هذا المسار "البريطاني" من الصعب إسقاطه على واقع خاص بسورية، ليس لأن الموضوع خارج عن الأطر الاقتصادية، بل لأن التجاذب السياسي يمتلك ظروفا موضوعية مختلفة كليا، وضمن تناقض صارخ ما بين سياسة الدولة كتيار اول، والمعارضة المنضوية على الأقل في إعلان دمشق كتيار ثاني ... وفي حال ظهور "طريق ثالث" فإن مسألة التوافق تبدو مستحيلة. وإذا كان التجاذب السياسي ليس من مصلحة سورية، فإن ظهور التوافق على أساس أفكار الطرفين ليس مستحيلا فقط بل هو أيضا لا يخدم مصلحة سورية.

التيار الثالث في حال ظهر لا يشكل حالة "نصح" لأي طرف، ولا ورشات عمل لوضع أفكار جديدة، بل هو توافق على مصلحة سورية كما هي، دون محاولة إيجاد تنظيرات تحاول احتكار الحق، أو تقديم واقع استعلائي على الواقع السياسي القائم حاليا. فالتيار الثالث يعترف بكل النتائج القائمة حاليا، ويسعى لتدارك أي ازمة حاضرة ببناء مستقبلي بديلا عن تبادل الاتهامات والتهم، أو بافتراض أننا نستطيع تجاوز الواقع بتفكير طوباوي سواء كان معارضا أو قادما من تاريخنا السياسي المعاصر.