<<السفير>> تستطلع أجواء الأوساط الرسمية والأكاديمية الفرنسية

زياد حيدر

يتفق معظم خبراء السياسة الخارجية الفرنسية على أن أي توافق سوري فرنسي في الأفق المنظور غير ممكن بعدما اختار الأليزيه ومستشاروه استراتيجية تقوم على أساسين الأول أطلسي يتضمن التحالف مع الولايات المتحدة بعدما فشلت المواجهة معها. أما الأساس الثاني، ووفق معلومات وتحليلات حصلت عليها <<السفير>> بعد جولة امتدت لأسبوع شملت مكاتب رسمية فرنسية في الاليزيه ووزارة الخارجية ومجلس الشيوخ، وأيضا بعد لقاءات مع محللين استراتيجيين في معاهد دولية وجامعات فرنسية، فيستند إلى الاستنتاج بأن مزاج فرنسا يدور في إطار دراسة آفاق التغيير في سوريا، أكثر منه في أجواء دراسة إمكانية تحسين العلاقة معها، وأنها لا تمانع، من حيث الفعل، من الاستفادة من ورشة عمل مفتوحة في معهد العلاقات الدولية الفرنسي (ifri) حول مستقبل النظام في سوريا والاحتمالات الممكنة للتغيير فيه، وإن كان الرسميون يؤكدون على أن فكرة تغيير النظام بالنسبة لهم هي شأن داخلي سوري. وبرغم أن جل ما يسمعه السامع في هذا الشأن يقتصر على ضرورة تغيير المسلك، إلا أن الخبراء لا يخفون أن مطالب تغيير المسلك تخفي أحيانا في مضمونها مقدمات تغيير صاحبه. المطالب الفرنسية حتى الآن هي في معرض <<طلب تأكيد استقلال وسيادة لبنان، وعدم التدخل السوري في شؤونه>> إضافة إلى موضوع نزع سلاح حزب الله والفصائل الفلسطينية، والتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية. وفي هذا الشأن، ثمة حرص فرنسي حاسم في أخذ هذا الموضوع إلى نهايته. وحسبما أوضحت مصادر فرنسية ل<<السفير>>، فإن العمل في باريس يقوم على أسس إبقاء الضغط على دمشق كي تتعاون، وإبقاء جذوة التحالف الفرنسي الأميركي حول هذا الموضوع. وهنا، تمت إزالة كل القلق الفرنسي (واللبناني) من إمكان انحراف هذا التحالف، بعد <<كابوس>> لبنان حول وجود صفقة أميركية سورية، وذلك عبر أمرين: الأول، تمثل في الزيارة التي قام بها مستشار الرئيس الفرنسي موريس غوردو مونتانيي بداية العام الحالي إلى واشنطن طالبا من نظيره ستيفن هادلي عدم <<الربط بين الملف السوري اللبناني والملف العراقي>> في تعامل الولايات المتحدة مع دمشق، وذلك لتفادي أي اثر إيجابي لتطور التعاون السوري على الصعيد العراقي، والذي تمثل في دعم الانتخابات العراقية وتشجيع السنة على خوضها وتشديد إجراءات الحدود وضرب بعض المجموعات الأصولية، والإعلان عن تبادل السفراء بعد تشكيل الحكومة العراقية. ويؤكد الفرنسيون على أن أي جهد، في هذا السياق، لن ينفع مع باريس وواشنطن، وأن الجانبين <<يتفقان على بند تحت الطاولة وآخر فوقها>> استنادا إلى فكرة <<الشرطي السيء والشرطي الجيد>>، وأنه، في الوقت الذي كان الجميع يتحدث عن صفقة، كان مونتانيي يبحث مع زملائه في العاصمة الأميركية سبل زيادة الضغط على دمشق. ومن بين وسائل الضغط التي اعتمدت، فكرة إرسال مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتنفيذ القرار 1559، تيري رود لارسن، إلى دمشق <<كي لا يتنفس السوريون>> بعدما طلب رئيس اللجنة الدولية للتحقيق في اغتيال الرئيس رفيق الحريري سيرج برامرتز، من الفرنسيين والأميركيين خصوصا، إعطائه الوقت لدراسة الملفات التي تركها ميليس بين يديه، وخصوصا أنه لا يستطيع مجارات الزخم السياسي لتلكما العاصمتين بما لديه. كما لا يخفى على السائل في فرنسا أهمية العامل الشخصي والعاطفي في ما آلت إليه العلاقات مع دمشق، وإن كان البعض يذهب إلى القول بأن الأمر شخصي بحت من زاويتين: الأولى مرتبطة بالعلاقة الخاصة بين الرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئيس الراحل رفيق الحريري. والثانية مرتبطة بالعلاقة التي جمعت شيراك بالرئيس السوري بشار الأسد. لكن البعض يقلل، في الوقت نفسه، من شأن عمق هذا التقييم، ويفضل القول إن فرنسا، حتى ولو كانت <<السياسات تصنع من قبل الرجال>>، لا تزال تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع دمشق، وهو ما يعتبره خبراء عرب في باريس إشارة أيضا إلى اختلاف في وجهات النظر بين طرفي السلطة في باريس، الرئاسة والخارجية. ويدخل تحت هذا البند أيضا، التواجد الرمزي للنائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام في باريس، حيث تشير مصادر إلى أن فرنسا، لو كانت راغبة في تقييد أنشطته، لعاملته كما عاملت الجنرال ميشال عون في فترة التسعينات، وذلك بناء على طلب من الرئيس الحريري نفسه حينها، مشيرة إلى أن خدام يتمتع بحرية الحركة، كما أن بريطانيا فتحت له أذرعها <<لممارسة النشاط الإعلامي>>. ومن اللافت أيضا على مستوى النقاش السياسي الفرنسي عن مستقبل النظام في سوريا، رواج فكرة الدولة الطائفية كخيار لا يمكن استبعاده بتأثير التجارب المجاورة، وذلك ضمن سيناريوهات أخرى مختلفة يذهب أقصاها إلى فوضى <<الأمر الواقع>> التي يقصد بها حسم الدول الكبرى خيار التغيير ضد دمشق وتسليم الإدارات التي تليها مسؤولية التعامل مع هذا العبء. ولكن برغم ذلك ثمة من يرى في فرنسا، وفي مجلس الشيوخ تحديدا، أن على <<باريس ألا تضع كل بيضها في سلة واحدة>>، في إشارة إلى اهتمام زائد في الملف اللبناني، وهو ما يشير إلى إمكان أن تشهد عناصر هذا الخلاف توهجا خصوصا مع اقتراب لحظة الانتخابات الفرنسية، وإن كان شيراك، كما ينقل عنه، يؤكد لزواره أن موضوعي التحقيق والعلاقة مع دمشق سيحسمان قبل مغادرته لمكتبه.