مئات الآلاف من اللبنانيين يحتشدون اليوم. سيكونون كثراً. سيعبّرون، على طريقتهم، عن الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي اغتيل قبل عام تماماً.

لا يمكن، ولا يجوز، حصر الوفاء بالمتظاهرين. إن كثيرين من غير المشاركين يستشعرون فعلاً الآثار السلبية البالغة لغياب الرجل. ومع ذلك يعتبر هؤلاء أن لا مكان لهم في ساحة الاعتصام لأنهم لا يوافقون على عدد من الشعارات المركزية التي يحصل اللقاء في ظلها. إن تحرك 14 شباط 2006 يحصل في نطاق أضيق من المدى الأوسع الذي يفترضه <<الوفاء>> للحريري، واستنكار الجريمة التي أودت به، وطلب العدالة، والبحث في تدبّر الشأن الوطني الذي أصيب بفعل الغياب. إن اعتصام اليوم هو ترجمة لقراءة سياسية لحدث يُراد له أن يغادر موقعه الوطني والأخلاقي. أكثر من ذلك. إننا قد نكون، في ساحة الشهداء، أمام ترجمة بلهجات مختلفة لحدث شكّل معلماً بارزاً في حياتنا، وهو حدث لا تقف الكتل المشاركة في إحياء ذكراه على مسافة واحدة منه.

إن 14 شباط 2005 اختبار لإيديولوجيا 14 آذار 2005. اختبار ستخرج منه هذه الإيديولوجيا خاسرة. ربما وجب علينا أن نميّز بين حركة 14 آذار وإيديولوجيا 14 آذار. ففي الحركة التقت روافد حزبية وتنظيمية وطوائفية في تظاهرة كانت الأضخم من نوعها في تاريخ لبنان. وبغض النظر عن أي اتفاق أو اختلاف مع شعارات تلك التظاهرة، تقتضي الأمانة القول إنها حسمت في أمر محدد وأوضحت وجود أكثرية راجحة تلتقي عند عناوين معينة. هذه حركة 14 آذار. أما إيديولوجيا 14 آذار فشيء مختلف. ويمكن لتبيان معالمها الرئيسية الاستعانة بعبارات أطلقها خطباء ذلك الحشد الاستثنائي: <<نحن مئة في المئة لبنانيون>>، <<أنتم لبنان، كل لبنان>>، <<الوحدة الوطنية الفظيعة>> (كذا)، <<فجر الحرية يبزغ من جديد>>، <<يا كل لبنان>>، <<أنتم لبنان، أنتم كل شيء>>، <<التاريخ يبدأ اليوم>>، <<ملحمة توحيد لبنان>>، <<اللحظة التاريخية لبناء لبنان الجديد>>، <<نلتقي لنؤكد الوحدة الوطنية>>، <<أول مدماك في بناء وطن واحد>>، <<لن يكون في إمكان أحد بعد اليوم أن يقلبنا ضد بعضنا البعض>>، <<نطوي صفحة نفتح صفحة>>، <<اتحدتم اليوم، في كل يوم، تحت راية العلم اللبناني>>، <<انبعث لبنان من جديد موحداً>>... إلخ.

هذا غيض من فيض ما قيل في تلك الأيام. ويمكن لنا أن نميّز ثلاثة محاور تنتظم الخطاب الإيديولوجي لتلك الفترة: أولاً نسبة الوحدة الصافية البلورية إلى النفس. ذابت التمايزات كلها وانصهر الجميع في <<بوتقة واحدة>>. كانت الجموع ترسم حدود بقعة الزيت المنتشرة بحيث تضيع الحقيقة القائلة إنها لحظة تقاطع يمكن لها أن تكون عابرة أو دائمة حسب سياسات وتوجهات واستراتيجيات لاحقة. جرى نفي السياسة التي لا يحتاج اليها هذا الجوهر المتعالي. ثانياً وحدة المجتمعين في ذلك اليوم هي هي وحدة اللبنانيين جميعاً. الخصوم أنواع من <<العملاء>> و<<الخفافيش>> و<<أمراء الليل>>. مَن لم يكن حاضراً أُسقطت بطاقة هويته وطُرد من الفردوس.

ثالثاً إن 14 آذار تجبّ 8 آذار. هناك حدث في مواجهة لاحدث. لم يحصل ما حصل قبل أسبوع باستثناء تسجيل حركة عبور كثيفة لحافلات قادمة من سوريا، ولتحركات في المخيمات الفلسطينية (كان صعباً استحضار <<الفرس>>)... ثم جاء <<لبنان>> ليطرد <<اللالبنان>>. هذه المحاور هي وجوه لقول واحد مترابط الحلقات: لا يستقيم الحديث عن الوحدة الكاملة المتجلية تماماً إلا بنفي ما قد يشوّش عليها. ... ثم دارت الأيام. وجرت مياه كثيرة. وبعد أن كانت المنصة غلبت بعض الجمهور انقسمت على نفسها واختلطت التحالفات في الانتخابات النيابية. ثم كانت حكومة. ثم تصدعت حكومة. ثم حصلت انقلابات في الاصطفافات مرشحة، ربما، لأن تترجم نفسها في انتخابات فرعية مقبلة. وبات في الإمكان، اليوم، التعرض لمخاطر أقل عند التأكيد أن 14 آذار 2005 لم تختزل لبنان وإن كان جدل الأكثرية والأقلية لا يزال مفتوحاً.

لقد كان ممكناً، قبل 11 شهراً، تنظيم اعتصام يسمح باستيلاد وهمي للشعب الموحّد. لم يعد ذلك وارداً الآن. إن الطموح الفعلي، والواقعي، هو الاعتراف بأن الوحدة المفترضة حول برنامج معيّن لم تتحقق ولكن ذلك لا يلغي أن الأكثرية مستمرة بصفتها أكثرية. وبهذا المعنى فإن اعتصام اليوم يتم تحت شعار <<الشارع لنا وليس لهم>>، ويقدَّم بصفته رداً على <<محاولة انقلابية>>. إن اعتصام اليوم، مقارنة بالذي سبقه قبل 11 شهراً، هو اعتصام <<الانقسام المعلن>> بعد اعتصام <<الوحدة الوهمية>>. ليس في ذلك أي عيب. هذه ألف باء السياسة والديموقراطية. إن أحداً لا ينسب زوراً إلى حدث اليوم هذا البُعد الانقسامي. إن هذا التفسير مستقى من البيان الأخير ل<<قوى 14 آذار>> (أو ما بقي منها). فالبيان يعترف بأن وعوداً سابقة لم تتحقق، وأن المعركة لم تنجز، وأن هناك مَن يريد ربط مصير الشعب اللبناني <<بالحلف السوري الإيراني وبحسابات الدفاع عن المنشآت النووية الإيرانية>>. وفي معرض إبداء الاستعداد لحوار وطني (يستبعد قوى ذات حيثية تمثيلية مؤكدة) يذكر البيان أن القصد هو <<التوافق على النقاط العالقة أو تلك التي باتت اليوم موضع اختلاف بين اللبنانيين>> (العلاقة مع سوريا، سلاح <<حزب الله>>).

يُراد لتظاهرة اليوم، إذاً، دعم وجهة نظر على حساب وجهة نظر أخرى. لذا سيكون سمجاً جداً تكرار <<الرديات>> عن الوحدة الصافية. ولكن يبقى أن نجد الصلة بين ما يجري و<<الوفاء>> للرئيس الحريري الذي يشكّل نقطة توافق أرقى من العناوين التي طرحها بيان <<14 آذار>> الأخير. يجب أن نضيف إلى ذلك أن قوى <<14 آذار>> لا تنطق كلها بلسان واحد في ما يخص هذه العناوين، ثمة تلاوين يفترض أخذها بالحساب. وكذلك فإن القوى غير المشاركة اليوم ليست قوى متماهية تماماً ولا هي تدعي ذلك. قلنا إن خطاب 14 آذار 2005 كان خطاباً إيديولوجياً. يجب أن نضيف أن هناك مَن كان يدرك ذلك تماماً لكنه استخدمه من أجل خوض معارك ذات صلة بالسيطرة على السلطة واستكمالها. لذا يتوجب أن نراقب، بدقة، الخطاب الذي سيرافق 14 شباط 2006.