مع غياب رفيق الحريري قتل رجل وانقلب لبنان. ولو عاش ليراقب جنازته لما صدق انه يمكن لرجل واحد أن يغير في حجم بلده. فقد خرج لبنان ليودعه، وخرج العالم ليطالب بفديته، وكأنه كان ينتمي إلى الأمم المرفوعة الأعلام، وليس إلى بلد صغير تعود أبناؤه أن يحملوا جميع الأعلام إلا علمه. مع موت رفيق الحريري عادت صحف العالم إلى ذلك المصطلح الذي كان مستخدما في القرن التاسع عشر، في وصف لبنان: «بلاد الأرز». وفيما ودعه اللبنانيون أدركوا أنهم يشيعون رجلا ويستقبلون مرحلة. لكن المشكلة في موته انه جعل موت الآخرين مسألة سهلة وبلا عقبات. فسرعان ما لحقت به قافلة من الشبان والفرسان والنبلاء الذين، مثله، لم يروا الدم إلا في العيادة الخاصة.

لا شيء يعيد رفيق الحريري. ولا يتكرر الإنسان في إنسان آخر. ولكن رفيق الحريري كان أشبه بحكاية ترويها الجدات. ولم يتحول إلى حقيقة إلا عندما شاهدت الناس رجلا عملاقا تقذفه النار وتحوله إلى فحم. أما قبل هذا المشهد فكان حكاية مفرحة للأطفال: شاب يخرج من فقر صيدا إلى تعب بيروت ويهاجر مع حلمه إلى السعودية وما أن يتعدى الثلاثين بقليل حتى يصبح من أثريائها، وفي الخمسين يصبح من أثرياء العالم، هو الذي كان يعمل في قطاف البرتقال وصندقته، هو الذي عمل في النهار ليدرس في الليل وإذا به يعلم 35 ألف تلميذ، من كل الطوائف والجامعات والمناطق. لم يعد على جدران منازله الكثيرة مكان للشهادات الفخرية التي أسبغت عليه، من هارفارد إلى ستانفورد إلى أوكسفورد. هو الذي حلم بأن يقبل طالبا في الجامعة العربية في بيروت.

لولا اغتياله بألف كيلو «سي فور» واعتقال رئيس الحرس الجمهوري ومدير الأمن العام ورئيس جهاز مخابرات الجيش وقائد قوى الأمن الداخلي، لظل رفيق الحريري حكاية يتعلم منها الشبان كيف يكبرون. رجل ولا يملك سيارة ويتنقل في باصات بيروت، تصبح لديه طائرة خاصة من طراز 777. ولزوجته طائرة. ولابنه طائرة. ولضيوفه طائرة.

وكان رفيق الحريري كلما ازداد غنى تذكر رفاق الفقر والأيام الصعبة. وأحاط نفسه بهم. وولاهم. وجعلهم مسؤولين عن أعماله وثرواته ومشاريعه. ولن يعرف احد، حتى اقرب الناس إليه، حجم الأعمال الخيرية التي عملها. ولن يعرف احد كم زكّى وكم أحسن وكم ساعد. وزاد ذلك كله في أنه حكاية. لكن الحقيقة تدخلت لكي تحول الحكاية إلى ليلى والذئب.