في اعقاب اغتيال رفيق الحريري، قبل عام، برز هناك في لبنان تياران شعبيان كبيران: تيار ما سُمي 8 آذار، وتيار 14 آذار، وهما اليومان اللذان احتشدت فيهما جموع المتظاهرين بمئات الالوف، استنكارا لجريمة الاغتيال، من جهة، ومطالبة بمعرفة الحقيقة الكافية وراء الاغتيال ودوافعه واهدافه، ومن ارتكب الجريمة ومن حرّض عليها، من جهة اخرى. واللافت.. ان بعض الاحزاب والرموز السياسية ممن كان رئيس الجمهورية اللبنانية الاسبق الجنرال فؤاد شهاب يسميهم »أكلة الجبنة«! لم يجد في فظاعة الجريمة الا انها مناسبة صالحة بل نموذجية، للاستغلال السياسي والطائفي والحزبي وتصفية الحسابات القائمة بين الخصوم والمتنافسين الحزبيين والسياسيين! جرى ذلك كله تحت ستار من التظاهر بالبكاء والاستبكاء ورفع قميص الحريري المغدور.

ولتوق اللبنانيين، وفي طليعتهم الشباب، الى التغيير وانقاذ لبنان من اوضاعه السياسية والاقتصادية والمذهبية والاقطاعية التي اوصله اليها اكلة الجبنة وتجار المذاهب والمبادئ فقد سارعوا الى التجمع ومواصلة الاحتجاج واقامة ما دعوه »مخيم الحرية« في ساحة الشهداء، الذي ظل مكتظا بالشباب المحتج طالب التغيير، نهارا وليلا لاكثر من اسابيع!! ولم يفت ساسة البهلوانيات انتهاز الفرصة فظلوا يترددون على »مخيم الحرية« ويتنافسون في القبض على اعناق الميكروفونات ليفقعوا خطاباتهم النارية الداعية ليس الى... التغيير فحسب، بل الى الحرية والسيادة والاستئلال كذلك!! ولان الانتخابات النيابية كانت على الابواب، فقد كان الخطباء الداعين الى التغيير، والى حرية لبنان وسيادته، اشبه بالممثلين على.. المسارح، خاصة.. عندما يتطرقون في خطبهم العصماء الى وجوب القضاء على البطالة وتجاوز الحواجز المذهبية في بناء الدولة اللبنانية قبل ان يصلوا الى الحض على اتخاذ المواقف الحرة العزيزة بوجه.. الوصاية الاجنبية!!

وبعد الانتخابات التي فاز فيها المال السياسي بقيادة سعد الحريري والاقطاعيات الدينية والمذهبية بقيادة وليد جنبلاط وسمير جعجع والبطريرك صفير، وبدعم اميركي فرنسي مباشر وعلني، فشكلوا الاكثرية النيابية التي كان من حقها الدستوري تشكيل الحكومة، وبعد انقضاء نحو سبعة اشهر على النهوض باعباء الحكم والتغيير وتقاسم قرص الجبنة لم يطرأ خلالها على الاوضاع السيئة الا.. المزيد من السوء والتردي والتخبط والفقر وافتعال الاتهامات. اكتشف شباب لبنان، باستثناء القلة المجرورة بخديعة البهلوانيين وتجار المذاهب، انهم لم يكونوا، طوال العام الماضي، الا.. ضحايا والا مجرد كم متراكم صالح للدعايات بالشعبية و.. لذر الرماد في العيون المريضة الساذجة بقصد التستر على النيات الخبيثة والاهداف المرتبطة بالغايات الاجنبية ذات المصلحة في دفع لبنان ليكون مقرا وممرا للمؤامرة المعدة للمنطقة كلها!! وامس.. تعمد فضائية ضشخ اللبنانية الى تصوير »خيمة الحرية« التي بدت خالية الا من رجال الامن الذين يحرسونها مما دفع المذيعة الى توجيه اسئلتها الى عدد من الشباب عن السبب في ذلك فنراهم يجمعون على الاجابة، بان كل ما سمعوه اثناء تجمعهم واحتشادهم المعنوي العام الماضي، تبين بعد التجربة انه ليس اكثر من اكاذيب فوق اكاذيب!! ولهذا.. فانهم لن يعيدوا مشاهد العام الماضي!!

وزاد في مصيبة البهلوانيين ان الجنرال عون وحزبه »التيار الوطني« لم يعد محسوبا على تيار 14 آذار بعد اعلان تعاونه حتى لا نقول.. تحالفه، مع السيد حسن نصر الله قائد حزب الله!! وربما.. لانكشاف انتهازية الانتهازيين بان المشاهد اليوم لن تكون مشاهد الامس، بالرغم من ان سعد الحريري »زعيم الاكثرية!« اضطر للعودة الى لبنان، وارسال رسله الى كل الجهات والمرجعيات، يحثهم على التجمع والتظاهر واعادة الصورة التي بُرزت فيها العام المنصرم!! وفي الواقع.. ان ثمة فرقا كبيرا بين ان تكون المشاهد طبيعية حية نابضة بالصدق وبين ان تكون ديكورا واكسسوارات يُراد لها ان توحي للمشاهدين بان الخديعة ما زالت سارية، وان »اكثرية« البهلوانيين، ما زالت.. اكثرية ليست، كما وصفها السيد حسن نصر الله.. وهمية!!