ديما عودة

" لنجعل من هذا المؤتمر معبدا للتطهر، لنعيد الجماهير الى حزبها ونعيد الحزب الى جماهيره، لندعو جميع اهل سورية للمشاركة في بناء الوطن، فالكل شركاء في هذا الوطن.. هذا وطن للجميع". تلك كانت بعض العبارات التي تضمنتها مداخلة قدمها استاذ جامعي في أحد المؤتمرات التمهيدية للمؤتمر القطري التاسع عام 2000 . وكان رئيس تلك الجلسة السيد عبد الحليم خدام، كانت مساحة المداخلة ثلاث صفحات ونصف الصفحة، وكان محتواها بشهادات الكثيرين من أجمل وأعمق ما سمع في مؤتمرات حزب.

رئيس الجلسة السيد خدام قاطع المتحدث خمس مرات احيانا مستفسرا استفسار العارف، وأحيانا مستهزئا، او ساخرا، حدث ذلك ليثبت لاحقا ان ذلك الرفيق لم يكن ليرقى لتوقعات السيد خدام، وبقي بعد ذلك مقصيا ومحيدا تماما عن الاشتراك باية فعاليات او مواقع ذات اهمية في سورية. وكادت ان تثبت اتهامات لاحقة وسابقة كان قد وجهها السيد خدام لذلك العضو بخروجه على ادبيات الحزب وطموحاته الخارجية .

الان يتابع السيد خدام نضاله ويخرج من سورية لا من او على ادبيات الحزب بل يتابع التزامه الحزبي، وتضحياته وممارساته الوطنية ومهماته الاساسية في توزيع شهادات حسن السلوك الوطني على أهالي سورية.

آخر تضحيات الرجل لقاؤه مع السيد بيانوني مسؤول الاخوان المسلمين في بروكسيل، كتب أحدهم موصفا اللقاء بوقوع المتعوس على خائب الرجا، فليس هناك اتعس من خدام بهذا الخروج المهين على نفسه وعلى بلده.

وليس هناك افشل من البيانوني بتأبطه حالة فاشلة فقدت ميزاتها السلطوية فخرجت على النظام الذي شاركت بصنعه. ولا يسعني الا ان ارفض هذا التحليل وهذه الرؤية تجاه هذا اللقاء النادر ها هو السيد خدام الذي يدخل عقده العمري الثامن وحتى آخر لحظة في حياته يتابع تضحياته تجاه النظام السوري الذي ساهم في بنائه، وتجاه سورية التي احبها واحب اهلها.

ها هو يلعب دورا مسرحيا في آخر لحظات حياته واضعا نفسه في في أسوأ اوضاع واوصاف يمكن لمرء ان يتحملها ومنها انه خائن، مرتزق، يوشي ببلده ونظام بلده، ويتناول رئيس بلده بابشع الاوصاف، يتهمه بارتكاب جريمة عالمية، ويسقط سقوطا ذريعا بأعين كل مواطن سوري. وآخر انجازاته سحب المسؤول عن القوة الاكبر في المعارضة السورية "الاخوان المسلمون" الى لقاء شخصه المشوه كخائن يرمي وطنه واهله بابشع ما يتصوره المرء من صفات. يسحب هؤلاء ويلتقي معهم ويشكل تحالفا معهم، غايته الاساسية تلويثهم بما تلوث به، مثبتا بان هؤولاء على استعداد لمد ايديهم للشيطان من اجل مصالحهم الخاصة، ولتنفيس احقادهم الشخصية الضيقة مثبتا ايضا فشلهم التاريخي الذي يرضى ببعض فتات من السلطة او اي خارج تمثيليا او مصلحيا عليها.

مرة اخرى يثبت المناضل ابو جمال انه يستطيع ان يدحر اي معاد للنظام السوري حتى ولو استلزم ذلك تحمل اهانة النظام له، واعتبار اهل سورية له كمارق او خائن للبلد الذي ساهم به لعقود.

وسيكتشف اهل سورية والقيادة السورية هذا العمل الجبار في الازمنة القادمة وسيعرفون ان خروج السيد خدام واستعجاله في اجهاض مخطط اللقاء الامريكي – البيانوني ليس الا عملا خارقا لا يقوم به الا شخصيات تاريخية كالاستاذ عبد الحليم خدام. وسيكتشف اهل سورية انه لا يوجد الا شخصية كالاستاذ خدام تستطيع ان تبرمج حقد شخصية كالبيانوني الذي كان يبحث عن اليد الامريكية.

***

كادت شخصيتان ان تعكرا على السيد خدام انجاز مخططه، الشخصية الاولى كانت رفعت الاسد، الذي حاول لقاء خدام فما كان من الاخير الا ان يرفض بلباقه لقاء مع شخص لا يقبل به النظام ولا المعارضة ولا حتى رب العالمين، الجهة الوحيدة التي تنتظره تتمثل بالشعب السوري الذي يتشوق لقدومه بفارغ الصبر.

الجهة الاخرى التي كادت تعكر صفو ابي جمال كان فريد الغادري، حيث حاول الاخير لقاء السيد خدام، لكن ذلك سيكون فضيحة واضحة بامريكيتها، ومعروف كم يكره السيد ابو جمال امريكا. الشخص الذي يبدو انه كشف ملعوب السيد عبد الحليم خدام كان المناضل رياض الترك. لقد اراد السيد خدام ان يشوه المناضل الترك كما فعل تماما مع البيانوني، لكن السيد الترك كان مدركا للعبة الخدامية فرفض لقاء السيد ابي جمال.

وتبقى مجموعة اعلان دمشق وقدرتها على معرفة ملعوب السيد خدام. ولا ندري اذا كانت سترفضه ام سترحب به.

المهم في النهاية ان الدور الجبار الذي يقوم به السيد خدام حتى اللحظات الاخيرة في مسيرته النضالية يستحق التمعن والتفكير والتقدير.

وعند ارسال هذه الورقة الى الطباعة كان لسوء حظ الاستاذ خدام ولتعثر مشروعه قد تم للاسف لقاؤه مع السيد الغادري، وعند ظهور هذا المقال قد يكون السيد خدام قد قابل "الفريق" رفعت الاسد.