على الرغم من الخطابات الهجومية، كانت وظيفة تجمّع الأمس وظيفة دفاعيّة. فالمطلوب هو ردّ الاعتبار للتحالف الحاكم بعد التصدّعات التي أصابته خلال الأسابيع الماضية. أريدَ لردّ الاعتبار هذا أن يتحقّق من خلال الردّ أوّلاً على ادّعاء السيّد حسن نصر الله أنّ الأغلبية النيابية هي أكثرية وهمية، والردّ ثانياً على من سوّلت له نفسه التشكيك بمشهد الوحدة الوطنية بعد أحداث الأشرفية الأخيرة. أمّا البرنامج السياسي للحفل، كما حدّده القائد وليد جنبلاط، فهو <<تحرير مزرعة بعبدا>>، <<رفض حجّة مزارع شبعا>>، وتصعيد اللهجة ضدّ النظام السوري وصولاً إلى استخدام مفردات لا تمتّ إلى السياسة بصلة كطلب الثأر <<من لحود ومن بشار>>. أُريدَ لتشابك الأيدي بين الزعماء الثلاثة، جنبلاط والحريري وجعجع، أن يمثّل المشهد الرمزي لما يحاول التجمّع أن يقوله. غير أنّ لهذا المشهد، ولحدوثه خلال إلقاء رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية كلمته، دلالة أخرى. فالحديث عن أكثرية وأقلية في الشارع لم يعد له معنى. كان الاستفتاء الذي جرى قبل الانتخابات النيابية مجدياً لتحديد أحجام فريقي الثامن والرابع عشر من آذار، وطبيعة تركيبة كلّ منهما. أمّا بعد الاستقطابات الطائفية الحادّة التي أفرزتها الانتخابات النيابية، فلم يعد لعروض العضلات في الشارع أي معنى. فالحديث عن <<أفراد>> يصنعون التظاهرات أصبح لاغياً. يمكننا القول بشكل عام إن <<الأفراد>> يعيشون اليوم حال تماهٍ غير مسبوق مع جماعاتهم. لذا، فإنّ المعركة اليوم محصورة بالمسيحيين. إنّها معركة عليهم، وعليهم وحدهم، بعدما حسمت الطوائف الأخرى مواقفها، فاصطفّ السنّة وراء سعد الحريري، والدروز وراء وليد جنبلاط، والشيعة وراء ثنائيّتهم. صحيح أنّ بوادر حركة قد ظهرت في الشارع السني مع أحداث الأشرفية، إلا أنّ هذه الحركة لم ترقَ بعد إلى حدّ التمرّد، وربّما يكون قد تمّ قمعها في المهد. إذاً، السؤال ذو المعنى اليوم يدور حول الشارع المسيحي. وبعد ثبات إفلاس قرنة شهوان، بقيت الأنظار متّجهة نحو سمير جعجع. ما هي الحصة المسيحية التي يستطيع الحكيم أن يسحبها من تيّار الجنرال؟

ربّما كانت انتخابات بعبدا عاليه الفرعية، وخصوصاً توزّع أصوات المسيحيين في عملية الاقتراع، هي التي ستجيب عن هذا السؤال. غير أنّ المشكلة هي أنّ طرح السؤال نفسه يبدو محرجاً بالنسبة إلى الأغلبية النيابية لأنّه يفقدها ورقة <<الإجماع الوطني>> الذي تدعى الطائفة الشيعية إليه، كأنّه <<كوكتيل>> تأخّر عن حضوره أحد المعازيم بسبب أزمة السير. ثّمة من يرفض نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، على الرغم من نيله الأغلبية. ذلك أنّ مشروعيّته لا يمكن أن تستقيم بحصوله على الأغلبية. إنّ مشروعه لا يتحقّق إلا بأغلبية ساحقة. سمير جعجع، بقواه الذاتية، لا يستطيع قلب الطاولة. ثمّة من يشبك يده بيديه كي يساهما معاً في قلب المشهد المسيحي.

إنّ هذا هو جوهر الضيق الداخلي الذي يعاني منه التحالف الحاكم. وهو ضيق يدفعه إلى استدعاء العامل الخارجي. الكثير من الشتائم لبشار الأسد تكال له على طريقة الحديث مع الجارة، فيما المقصود هو الكنّة. وقد يكون ذلك من أخطر ما شهده تجمّع الأمس حيث تمّ تضييق هامش التمييز بين <<طاغية الشام>> وحلفائه وأصدقائه اللبنانيين. إنّ موقفاً كهذا قد يجعل أفق الحوار مسدوداً إذ يصوّر المشهد السياسي صراعاً بين ضحية لبنانية وجلاد سوري يملك تابعين له في لبنان. إنّ صورة كهذه لا تبشّر بالخير ونحن على أبواب حوار داخلي. لقد سبق لشركة إعلان لبنانية أن صمّمت حملة سياسية على مدار الوطن الأردني تحمل شعار <<الأردن أوّلا>>. آنذاك، ظنّ الملك الأردني أنّ بإمكانه أن يقفز فوق الانقسامات السياسية عبر طرح شعار حياديّ في الظاهر، يحمل صفة الوطنية الجامعة. <<الأردن أولا>> كان فكرة تسويقية لبنانية. ثمّة من يسرّه أن يوهم نفسه اليوم بأنّ الانقسامات اللبنانية هي نتيجة خلل في التسويق.