بدأ الخلاف حول موضوع الحوار في الشكل قبل ان يبدأ حول المضمون وذلك بين مطالبة قوى 14 آذار بأن يجري الحوار مع ممثلي الكتل والاحزاب داخل مجلس النواب ومطالبة قوى 8 آذار بأن يجري هذا الحوار مع ممثلي الصف الاول سواء كانوا من داخل المجلس او من خارجه وهذا معناه اشراك الرئيس امين الجميل والدكتور سمير جعجع والرئيس عمر كرامي والرئيس الحص وسليمان فرنجيه وطلال ارسلان وربما سواهم من اجل استعجال بت المواضيع المطروحة فيه اختصارا للوقت وكي لا يضطر البعض بعد كل جلسة حوار للعودة الى هذه القيادات للتشاور معها قبل اتخاذ موقف نهائي من هذه المواضيع، علما ان قيادات مثل جنبلاط وعون والحريري وجعجع قد لا تتمكن من حضور جلسات الحوار لأسباب امنية.

لكن قوى 14 آذار لا ترى حاجة الى اشراك احد من خارج مجلس النواب في الحوار لئلا تطول لائحة من ينبغي دعوتهم اليه عدا اشكالات الدخول في اختيار الاسماء لتوجيه الدعوة اليهم.

اضف الى ذلك ان غالبية الاحزاب والتيارات والقوى السياسية ممثلة في مجلس النواب ويستطيع بعضها العودة الى من هم غير ممثلين فيه للتشاور في المواقف الواجب اتخاذها من المواضيع المطروحة. واذا تم التوصل الى حل هذا الاشكال، فان الحوار حتى في حال حصره بالمواضيع التي حددها الرئيس بري وهي: التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري لمعرفة الحقيقة، والعلاقات اللبنانية – السورية والقرار 1559. فان كل موضوع من هذه المواضيع يثير خلافا بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار قد يكون من الصعب ان ينتهي الحوار بالاتفاق التام حولها.

الواقع، ان الجميع يعلنون تأييدهم اجراء التحقيق لمعرفة الحقيقة في اغتيال الرئيس الحريري لكن مع فارق ان قوى 8 آذار، خلافا لموقف قوى 14 آذار تطالب بمعرفة الحقيقة من جهة، وتعمل من جهة اخرى على عدم معرفتها وذلك من خلال التشكيك في التحقيق الدولي والقول انه يوظف سياسيا والتحفظ عن تشكيل محكمة ذات طابع دولي، وعدم تعاون سوريا مع هذا التحقيق الا وفقا لشروط تحول دون معرفة الحقيقة.

اما العلاقات اللبنانية – السورية فالمواقف منها منقسمة بين من يريدها علاقات عادية او علاقات حسن جوار تضفي اجواء هادئة بين البلدين بحيث تتوقف معها الحملات الاعلامية والاتهامات المتبادلة من دون ان يشكل ذلك حدا من حرية الرأي على ان تتوقف في المقابل آلة القتل والعنف والاغتيال في لبنان وتدفق الاسلحة اليه في انتظار ان تظهر نتائج التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري بحيث يبنى عندئذ على الشيء مقتضاه. ومن يريد عودة هذه العلاقات الى ما كانت عليه قبل وقوع الجريمة لأن في ذلك مصلحة للبلدين، اذ لا يعقل ان تبقى العلاقات متوترة الى ان تظهر نتائج التحقيق الدولي، وهو تحقيق قد يطول وكذلك صدور حكم المحكمة في الجريمة، كما لا يعقل البحث في ترسيم الحدود وفي اقامة تمثيل ديبلوماسي مع وجود توتر في العلاقات واتهام سوريا باستمرار تدخلها في شؤون لبنان الداخلية ومحاولة تغيير موازين القوى بهدف العودة الى ما كان عليه الوضع قبل 14 آذار.

يبقى الموضوع الاكثر اثارة للخلاف وهو القرار 1559 الذي لم ينفذ منه سوى انسحاب القوات السورية من كل الاراضي اللبنانية وظلت البنود الباقية منه من دون تنفيذ. وهذا يتطلب الائتلاف خلال الحوار على الآتي:

اولا: اعتبار التمديد للرئيس لحود مخالفة لاحكام الدستور ينبغي العودة عنها باجراء انتخابات رئاسية مبكرة تأتي برئيس جديد للجمهورية منسجم مع حالة التغيير التي بدأت مع انسحاب القوات السورية، لكن هذه الحالة، لم تكتمل مع بقاء الرئيس لحود الممثل لحالة ما قبل 14 آذار. لكن قوى 8 آذار تعارض تغيير الرئيس لحود لئلا تتغير الحالة التي تسعى هذه القوى اليها بدعم سوري وهي الحالة التي تعيد الهيمنة السورية الى لبنان ولو سياسيا، لذلك، فان هذه القوى تطالب باجراء انتخابات نيابية مبكرة علَّ نتائجها تأتي لمصلحتها وليس باجراء انتخابات رئاسية مبكرة الا اذا ضمنت وصول رئيس جديد من خطها السياسي.

ثانيا: نزع سلاح "حزب الله" والفصائل الفلسطينية في لبنان. وهذا موضوع يثير خلافا شديدا بين قوى 14 آذار التي تعتبر انه لن يبقى مبرر لاستمرار هذا السلاح في يد المقاومة بعد تحرير مزارع شبعا واطلاق الاسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية، والا اصبحت هذه المقاومة ميليشيا اذا لم تتخل عن سلاحها بعد تحقيق كل ذلك. وتعارض هذه القوى ما جاء في ورقة التفاهم بين العماد عون والسيد حسن نصرالله لجهة: "حماية لبنان من الاخطار الاسرائيلية من خلال حوار وطني يؤدي الى صوغ استراتيجية دفاع وطني يتوافق عليها اللبنانيون وينخرطون فيها عبر تحمل اعبائها والافادة من نتائجها" وتعتبر ان الدولة اللبنانية وقواتها المسلحة هي المسؤولة عن حماية لبنان من الاخطار الاسرائيلية وليس لـ"حزب الله" او اي مجموعات مسلحة، ان تشارك في تأمين هذه الحماية الا من ضمن المؤسسات العسكرية والانخراط فيها، والا اصبح الوضع شبيها بالوضع الذي فرض في الماضي اتفاق القاهرة الذي اجاز للتنظيمات الفلسطينية الانطلاق في عملياتها من الجنوب منتهكة السيادة اللبنانية رغم ان الاتفاق نص على احترامها، فكانت نتيجة ذلك ان اجتاحت اسرائيل الجنوب وبلغ اجتياحها العاصمة بيروت، وضربت البنى التحتية للبنان.

لذلك، فان قوى 14 آذار لن تقبل ببقاء سلاح المقاومة بعد تحرير مزارع شبعا واطلاق الاسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية تحت اي شكل من الاشكال، علما ان هذا السلاح قد يبقى في يد المقاومة والى اجل غير معروف، اذا رفضت اسرائيل الانسحاب من مزارع شبعا او رفضت اطلاق الاسرى اللبنانيين ما لم تتسلم رفات الطيار رون اراد او اذا رفضت سوريا ترسيم حدود هذه المزارع بذريعة انه مطلب اسرائيلي كما قال الرئيس بشار الاسد، فتكون النتيجة ان المقاومة وتحديدا "حزب الله" يظل محتفظا بسلاحه ولن يتخلى عنه ما دامت مزارع شبعا محتلة والاسرى اللبنانيون في السجون الاسرائيلية، وهي مدة قد تكون طويلة ولا حاجة الى اطالتها بتبرير بقاء هذا السلاح بالكلام على "صوغ استراتيجية دفاع وطني لحماية لبنان من الاخطار الاسرائيلية" تكون المقاومة اي "حزب الله" جزءا منها او مستقلة عنها لتعود الدويلات ضمن الدولة...