غـزوان قـرنفـــــل

ثمة مقولة راسخة في الوجدان الشعبي العربي تتمثل في أنه ليس هناك من حاكم عربي سابق ، فالحاكم العربي عادة ماينتهي إما إلى السجن أو إلى القبر !! وهذه المقولة بلا ريب لم تأت من فراغ وإنما هي نتاج تراكم تجارب متعددة في مختلف أنحاء المساحة العربية منذ الاستقلال وحتى اليوم اللهم إلا استثناءات قليلة جدا لاتبلغ في جميع الأحوال عدد أصابع اليد الواحدة .

فالحاكم العربي هو دائما ( رجل تاريخي ) وهو دائما يأتي في ( ظرف تاريخي دقيق يمثل منعطفا هاما في تاريخ الأمة ) !!! ولذلك فهو مضطر للالتصاق بالسلطة والتمسك فيها ليس حبا بها لاسمح الله ، وإنما لخدمة أهداف الأمة وانجاز ماتسمح به مساحة عمره الزمنية من ( مهام تاريخية ) في مسيرة هذه الأمة المولعة بالتاريخ !!! . ولكن إذا كان هذا هو حال الحكام العرب اللذين لفرط تمسكهم بالسلطة والسلطان ، والكرسي والصولجان ، صاروا جزءا من لوحة الحياة العربية الساكنة المقيتة الباهتة الألوان ... فما هو حال قادة الأحزاب والمعارضات العربية ؟ ولماذا ينعقون ليل نهار بمفردات الاصلاح والديمقراطية وينتقدون ديكتاتورية حكامهم واستمرارهم المديد بالسلطة وهم اللذين يتمسكون بمواقعهم ورئاسة أحزابهم منذ مايوازي تاريخ تربع حكامهم على كرسي الحكم ومنهم مايزيد على ذلك ؟!.

فهذا مثلا السيد ضياء الدين داوود رئيس الحزب الناصري المصري المعارض مايزال متربعا على عرش هذا الحزب منذ انشائه وهو باق فيه على مايبدو حتى رحيله بالرغم من سقوطه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة !!! .. وذاك أيضا السيد نعمان جمعة رئيس حزب الوفد المصري المعارض أيضا والذي خاض انتخابات رئاسة الجمهورية المصرية مؤخرا ومني فيها بخسارة قاسية إلا أنه لم يستقل من رئاسة الحزب كما تقضي بذلك الأصول والتقاليد الديمقراطية ، بل والأنكى من ذلك فإنه مازال مصرا على البقاء رغم قرار أغلبية قيادة الحزب بفصله منه !.

ولايختلف الأمر كثيرا في فلسطين رغم الحراك الديمقراطي فيها ورغم التجربة الديمقراطية اللافتة في الانتخابات الأخيرة ، فإن قادة حركة فتح التي منيت بأمَر الهزائم في تاريخها مازالوا يمانعون ولم نسمع عن استقالة أي من أعضاء لجنتها التنفيذية أو المركزية أو مجلسها الثوري ، على الأقل رضوخا لمطالب قواعد هذه الحركة ... وما ينطبق على مصر وفلسطين ربما ينسحب على الكثير من البلدان العربية الأخرى كالسودان واليمن والأردن وغيرها وإن بأشكال وصور مختلفة ..

ورغم أن قوى المعارضة السورية في معظمها قد عدلت وصححت في أدبياتها وأنظمتها الداخلية وآلية تعاطيها مع المسألة الديمقراطية في أطرها الحزبية إلا أن الفيصل في ذلك يبقى دائما للتطبيق .

نحن أمام اشكالية حقيقية إذا .. تجعل من المعارضات العربية – في معظمها على الأقل – الوجه القبيح الآخر لعملة الحكومات العربية التسلطية ، هي اشكالية في المفاهيم وفي الممارسات أيضا . إذ يبدو أن مفهوم هذه المعارضات للديمقراطية وممارستهم لها ينتهي عند بقاء قادتها في مواقعهم المعارضة ، أو بقائهم في السلطة إن قدر لهم – لاقدَر الله – الانتقال إليها !!.

فليست الحكومات العربية فقط هي التي تحتاج إلى الاصلاح ، بل إن المعارضات العربية أيضا ربما تكون أكثر حاجة من تلك الحكومات إلى ذلك الاصلاح .. وخطاب التكاذب الذي تتبادله تلك المعارضات مع هذي الحكومات بشأن الاصلاح السياسي ليس أكثر من ثرثرة فارغة من المضمون على رصيف حياة سياسية مسدودة الأفق .

وإذا كان من المفهوم لدينا استحالة قيام تلك الحكومات بأية اصلاحات حقيقية لفتح ذلك الأفق المسدود في حياتنا العامة والسياسية باعتبار أن أي اصلاح حقيقي يتناقض علميا وعمليا مع بنية تلك النظم وآليات عملها ويهدد بزوالها وهو مالاتريده ومالاترجوه ، فإنه من غير المفهوم ولا المقبول أن تكون القوى المعارضة لهذه النظم والتي ذاقت منها ماذاقت تعمل بذات الآليات والمفاهيم الأمر الذي ينال من شرعية وجودها ويجعل منها مجرد مسخا سياسيا لايختلف من حيث النتيجة عن النظام الذي تعارضه ؟!!.

إن الأزمة باعتقادي – وإن بدت في ظاهرها كما أسلفنا – إنما تتصل بالجمود السياسي العام في المنطقة العربية والناجم عن افتراس السلطة السياسية للدولة وجعلها حكرا لها ... ذلك أن انعدام الحياة السياسية والتفاعلات والصراعات التي تخلقها في المجتمعات والتي من شأنها أن توجد حراكا مجتمعيا يقود إلى تطور الفكر السياسي ويخلق آليات وأساليب عمل متجددة ترتقي وتنصقل دائما بالممارسة اليومية ، هو الذي يجعل المجتمعات العربية في حال من التحنط العام وانعدام الوزن والبله السياسي ، قد يفهم أحيانا مايدور حوله لكنه يبقى ساكنا غير قادر على أي فعل لأنه مجرد مفعول به !.

هل هو الحائط المسدود إذا ؟؟؟

نعم هو الحائط المسدود حتى إشعار آخر .. رغم وجود بعض الشروخ والتشققات في جدار السكون العربي تنبىء بولادة عسيرة .