سلوى زكزك (نساء سورية)

ثلاثة حوادث منفصلة جرت معي، أولها اعتداء امرأة ترتدي لباساً أقرب ما يكون إلى لعبة الإخفاء. كفان سوداوان في اليدين الضئيلتين، جلباب أسود امتلأت أطرافه بالغبار لشدة طوله، لدرجة كادت صاحبته أن تتعثر به عند نزولها من الحافلة التي أقلتنا معاً إلى مساكن برزة، هذا عدا عن غطاء أسود للرأس يمتد ليغطي الفم والأنف، أما العينان فقد احتجزتا خلف نظارة سوداء رخيصة الثمن، مما جعل تلك المرأة تبدو بوضع قلق لشدة ما حدقت ورمشت لتتمكن من الرؤية بوضوح خاصة أن الوقت يقترب من ساعات الإعتام. جرى الحادث الأول حين بادرتني تلك المرأة بالشتيمة (العمى ضربك، قديشك وقحة، ألا تخجلين من لبس هذه الثياب الفاجرة). بالطبع لم أسكت، لكني جفلت واختبأت للحظات وراء رغبة عارمة بالبكاء. كانت تبدو وكأنها حفظت كلماتها عن ظهر قلب، فلم تتلكأ بإلقائها كالحمم المتلاحقة، ولم ترتدع أو تخجل من الجمهور الموجود والذي يفوق العشرة أشخاص. وجرى الحادث الثاني، حين طلبت مني امرأة أخرى بلباس محتشم تقليدي وبلهجة آمرة ومؤنبة بأن أرمي حبة السكاكر التي في فمي مردفة طلبها بعبارات (لا تستحي، الدنيا رمضان ولا تخافي نار جهنم، أنت وحده لا تعرف الدين، أنا سأعلمك إياه، الله ياخذك ويخلصنا منك ومن عديمي الدين أمثالك).

أشهد باني سخرت من نفسي ومن وجودي في ذاك المحل التجاري، والطبع لم أسكت ولم أنسحب، بل كان صوتي عالياً ومجلجلاً، أما هي فغادرت المكان وهي تكرر تلك الشتائم، بل وأشد منها وبصوت يملؤه الوعيد.

أما الحادث الثالث، فقد استقليت سيارة أجرة يعلو في أرجائها صوت مقرئ يجود بسورة النساء، ومالبث سائقها أن قدم لي قطعة من السكاكر، طالباً مني بلغة مقتضبة وآمرة (صلّ على النبي). اعتذرت عن أخذها وشكرته على لطفه.

لكنه امتعض واتهمني بلهجة تأنيب بأنني أرفض الصلاة على النبي، بأني لم آخذ قطعة السكاكر فقط كي لا أصلي على النبي. وعاقبني بأن رفع صوت المقرئ لدرجة كادت أذناي أن تصاب بالصمم وفتح النوافذ في شهر كانون الأول. ولم يتردد في أن يطلب (15) ل.س زيادة على العداد متناسياً إيمانه بحجة أن المشوار طويل. مشدداً على أنه ارتكب خطأً كبيراً حين وافق على نقل امرأة وسافرة في سيارته. هذه الحوادث التي جرت معي، وربما تحدث مع غيري من المواطنين السوريين على أراضي الجمهورية العربية السورية وليس على أراضي الأمة الإسلامية السورية كما يسميها الشيخ البوطي. لم أرد عليها بعصبية ولم أذكرها أو أعلنها خشية التصاق صفات أصحابها بالإسلام.

كما أنني لم أشكو أحداً إلى الشرطة أو الأمن. اعتبرها حوادث فردية تجري في أي مكان من قبل أناس متطرفين موتورين. لكني الآن أتساءل ما رأي العلامة البوطي فيها؟ وإلى من ألجاً لتفسيرها أو ردعها؟ فهي، وإن نزعنا الطابع المتطرف والأصولي عنها، حوادث اعتداء على الحرية الشخصية، وهي محاولات عقابية تكفيرية تستند على حق الإقصاء والتخوين وربما وصلت إلى حد هدر الدم أو الدعوة لإنشاء هيئة تماثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المشهود لها بالدموية والانتقامية.

أيظن الشيخ الموقر أن هؤلاء المعتدون هم حماة وحدة الأمة الإسلامية الأقداس؟ هل فعلاً يمكن توصيف محاضرته التمييزية والتحريضية بأنها محاضرة تدعو لمرجعية إسلامية واحدة يطالب السيد البوطي بتحقيقها؟ ومن أجل ماذا؟ من أجل غاية نبيلة وكلية وبالغة الضرورة ألا وهي (ردع رعونات ما يسمى بنساء سورية ومجتمع كذا..)! أي يقصد المجتمع المدني الذي يستعيذ من الله تعالى من مجرد ذكر اسمه فيستبدل كلمة المدني بنقطتين لا أكثر ليحافظ على سلامة انتمائه الديني والوطني خاصته وأنه متبع هذا الكلام باكتشافٍ مريع، اكتشاف ليثبت مدى غيرة هذا العلامة على الأمة الإسلامية السورية حين يقول (وبعضهم غير مرخص)، فمن الذي أنابك سيدي الكريم لتضع لوائح تصنيف وتقيم لانتماء البشر الديني والوطني، ومن هو الذي فوّضك ولياً على قلوب وعقول ودين الناس واستحلفك بالله أن تكمل مهمتك الوطنية الأمينة الشرعية الحساسة وتصدر أحكامك بالجلد أو بالقتل أو بالنفي. فأنت المقرر والمقيّم والحاكم والقاضي.عذراً سيادة العلامة البوطي، فإنني لم أستطع فهم ما تدعو إليه إلا من سياقٍ واحد وهو الدعوة الصريحة لتجريد المجتمع السوري من حقوقه بحراك كفله الدستور السوري والشرعة الدولية، وبالتالي اغتيال السلم الأهلي عبر اغتيال الحوار وحرية الرأي والمعتقد. وفي النهاية، لست بحاجة إلى شهادتك أو شهادة سواك طالما أنها قرار مسبق ومعلن بالإقصاء.

ولست بأية حاجة للدفاع عن نفسي كإحدى نساء سورية أمام رجل قدم نفسه بصورة تلغي وجودي وتلغي حقي بالدفاع عن وجهة نظري أو حتى مجرد حقي بالاختلاف.

لكنه سؤال مشروع وملح للسيد البوطي. هل سنتمكن من الاحتكام للقضاء السوري؟ أم أنك ستفرض علينا محكمة تكفيرية تمييزية؟..