من أين جاء هذا الحرص الأميركي على «نفي» التخطيط مع إسرائيل لإفشال حكم حركة «حماس» في فلسطين. الأمر لا يحتاج الى تأكيد أو نفي، لأنه من البديهيات. لكن إدارة جورج بوش أُحرجت طبعاً بفوز «حماس» في الانتخابات، كونها جعلت من الديموقراطية والانتخابات أساساً لسياستها في الشرق الأوسط، ومادة أولى لضغوطها على الحكام والحكومات، قبل أن تعكف اليوم على درس السبل الكفيلة بالتراجع عن هذه السياسة بعدما برهنت أفضل وسيلة للمجيء بالإسلاميين الى السلطة، منتخبين لا مفروضين بانقلابات عسكرية.

بعد كل هذا الضغط لتصعيد حكومات منتخبة، تريد واشنطن الآن أن تمارس ضغوطاً معاكسة لإفشال الحكومات المنتخبة إذا كانت إسلامية. ولا داعي لأن تبعد عن نفسها هذه التهمة، ففي ما يتعلق بـ «حماس» مثلاً، دأبت التصريحات الأميركية بلسان الرئيس بوش والوزيرة كوندوليزا رايس تنذر الشعب الفلسطيني بأنه بانتخابه مرشحي «حماس» ارتكب الخطأ الذي يستحق عليه قطع المساعدات عنه. وعلى رغم أن العديد من اصدقاء أميركا نصحوها بأن مثل هذه التهديدات لا تجوز، بل قد تؤدي الى عكس مرامها، إلا أن صانعي السياسة والقرارات في واشنطن اقفلت رؤوسهم وهم يرون الملتحين في شوارع غزة والضفة يحتفلون بالنصر الانتخابي الذي أحرزوه.

لا بد من تذكير الأميركيين - والإسرائيليين - وحتى الأوروبيين الذين لم يبدوا أي عقلانية واختلاف ازاء فوز «حماس»، بأن مسألة «الإفشال» هنا ليست سوى مشروع متوقع وشبه معلن، فلا أحد يتوقع منهم أن يساعدوا الحركة كي تنجح في الحكم. لكن «الافشال» نفسه ليس جديداً، وإنما هو الذي ساعد «حماس» على الوصول الى ما لم تتمكن أن تتوقعه، أي تحصيل غالبية في المجلس التشريعي. فالأميركيون والإسرائيليون - والأوروبيون المتكيّفون مع السياسات التي ترسمها إسرائيل - هم الذين افشلوا محمود عباس بعدما صنعوا منه اسطورة اعتدال، وهو معتدل بالفعل، بل معتدل يتصرف كمن سلّم كل «أسلحته» وحتى كل حججه، متوقعاً أن الخصم سيمنحه عندئذ كل ما يمكنه من إدارة حياة شعبه بيسر وسلاسة. وهم الذين افشلوا قبل ذلك ياسر عرفات الذي ساهم في صنع الاختراق السلمي للصراع العربي - الإسرائيلي ودخل في تجربة تفاوض وعمل كان يمكن أن تنجح لو أن الإسرائيليين شاؤوا انتهاز الفرصة التاريخية السانحة.

وإذا اقتصر الحديث على فصائل فلسطينية يصعب القول أيضاً إن الاميركيين والإسرائيليين كانوا معنيين بشيء آخر غير افشال «فتح» وتحطيمها، لأنهم أدركوا أن هذه الحركة كانت عصب المجتمع والسلطة الفلسطينيين. وبالتالي فإن العمل لإفشال «حماس» سيأتي في السياق ذاته، وسيكون لـ «فتح» دور في افشال «حماس»، كما كان لهذه دور في اضعاف «فتح» والسلطة. وكما تجاهل الأميركيون كل ما قيل لهم من حقائق عن المجتمع الفلسطيني وكيف أن «حماس» جزء أساسي فيه، فإنهم يتجاهلون اليوم كل النصائح التي تدعوهم الى عدم الاصغاء الى تحليلات العسكر الإسرائيليين الذين لا يحسنون سوى ارسال فرق الاغتيال لاصطياد المناضلين.

ليس في الأمر سر، فالصحف العبرية نشرت كل ما ورد في مناقشات الجيش الإسرائيلي عن كيفية التعامل مع «حماس» لإفشالها، وبات معروفاً أن الرهان معقود على الرئيس «أبو مازن» كي يدعو خلال ستة شهور على الأكثر الى انتخابات جديدة، مستنداً الى ان «حماس» لم تستطع الاقلاع في تجربة الحكم. ومنذ أمس بدأ تنفيذ الخطة حين أعلن شاؤول موفاز - أبرز رموز الإرهاب الإسرائيلي - أنه إذا انتخب المجلس التشريعي رئيساً له من «حماس»، فإن إسرائيل ستقطع العلاقة مع السلطة الفلسطينية. ينبغي القول إن «العلاقة» القائمة مع السلطة لم تكن مستخدمة إلا لإبلاغ الشروط والاملاءات.

في أي حال، لن يكون الأميركيون والإسرائيليون والأوروبيون وحدهم في الحملة لإفشال «حماس»، بل سيكون هناك الكثير من العرب والفلسطينيين. فمن يتحمل مسؤولية هذا الإفشال والكوارث التي ستترتب عليه. ومع الموافقة على الشروط المطلوبة من «حماس» لم يقل أحد للفلسطينيين كيف سيصحح مسار التعامل معهم، وهل ستتراجع الوحشية الإسرائيلية ضدهم، إذا شاركوا في انهاء حكم «حماس» في أقرب أجل ممكن؟